وترجّل "محسن" عن "جواده"

أسرجتَ جواداً من الحب وهمزتَه في مفازات الارتحال إلى مقاصد الخير لتعبر الجسر المعلّق بين الصمت والصهيل، وتلملم شتات الحروف المبعثرة لتكتب قصيدة العمر التي لم تكتمل، ولتجدّد السفر إلى طفولة أخرى، وتجمع بقايا الوقت متمرّداً على الضمور والانكفاء. إنّه العبق المعتّق بضوع العشق للحياة، الناهد لقطف عناقيد الوصال بأيدي التكافل، الساعي إلى إماطة اللثام عن فطرة الإنسان الطيبة، المنداح في عروق المرتجى اندياح الماء في الأرض العطشى، المندفع إلى زرع ورود الوصل في وعور الفصل، المتوسّد عميق الإحساس بالهمّ العام، المتوسّل إشعال شمعات يجرح ضوءها عتمة العبث والهذيان.
كم ارتحلنا يا صديقي في زورق الوعد، واستدللنا بحسن النوايا وصدق العهد على فيض الشمس وغيض الظلام! كم عَدَوْنا لاهثين وراء طيف الترياق المداوي لجرح الإحباط النازف من إدمان النكوص والانكسار! كم حلمنا بحقول لا تُسحق فيها الأزهار، ولا تْعتقل فيها الفراشات، ولا تصمت على أشجارها العصافير! كم استسلمنا للإغواء الخيالي والسفر المغامر على هدى المتورّطين بالحبّ، الساعين إلى إيداع توقهم الجميل عرزال المستحيل حتى يصير ممكناً! كم حلمنا بالقبض على أزمّة الزمان لاصطياد الضوء وإحياء أطلال السواقي!
كذا تمضي أعمارنا والأحلام فيها لمّا تنقضِ! كذا نفارق أحبتنا الذين يغادروننا من غير أن نغادرهم! هو الفراق الذي يفتك بوصالهم لكنه لا يقوى على نسيانهم، والموت الذي ينهزم أمام من كانوا على مثالهم، فتبقى حياتهم صنو ذكراهم حاضرة أبداً.
محسن جواد!
أيّها المتوغّل في دروب البحث عن "إنسانه"، المأخوذ بما تركته لديك قوّة الاصطدام الطفولي بكهولة المفاهيم غير المتحوّلة! أيّها الشفيف كالبلّور، الرقراق كالنمير، الصادق الصدوق، الغائب غيبة الجسد والحاضر حضور الروح والظلال في كنف القلوب التي أحبّتك، وشُغِلتَ بها بأعمق ما فيك من ودّ، وأرقّ ما فيك من لطف.
محسن جواد!
يكفيك ذخراً لمرضاة الله والسكن في فسيح جنانه أنّك أحجمت عن الزبد الذي يذهب جُفاءً، وأقدمت على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
فيصل طالب
المدير العام السابق لوزارة الثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.