صفحة من عدوان تموز: الحص.. واتصال الفجر!

رفعت إبراهيم البدوي /

مساء يوم الثلاثاء في الثامن عشر من شهر تموز 2006، كنت في المكتب ـ كالمعتاد ـ الى جانب الرئيس الدكتور سليم الحص، نجري الاتصالات اللازمة، نستقصي أخبار الجبهة في الجنوب، فيما كانت اصوات الطائرات الاسرائيلية فوق العاصمة بيروت تصم الآذان، وتلقي بالقنابل والصواريخ الفتاكة فوق ضاحية العزّ، تهدم مساحات واسعة من أبنيتها السكنية حاصدة ارواح شهداء من الاطفال والنساء والشيوخ، مما زاد في تهجير وتشريد معظم أهلنا في الضاحية نحو أحياء أكثر أمنا في عمق بيروت، وذلك هرباً من أتون نار لاهبة على مدار الساعة، جراء قنابل فتاكة مزودة بمواد مشعة منضبة كانت طائرات العدو الاسرائيلي تلقيها بانتظام في كل طلعة جوية بغطرسة وعنجهية على سكان ضاحية العز.
علامات القلق بدت واضحة على محيا الرئيس سليم الحص. ومع كل طلعة لطيران العدو الاسرائيلي كان يردّد داعياً الله العزيز "يا الله احمي العباد والابرياء وثبتهم. يا الله آمنهم واصرف عنهم وعن اطفالهم الاذى"، فيما كانت أصوات الانفجارات تهز العاصمة بقوة، ومن شدة عصف الانفجارات كنا نشعر بهزة أرضية ترتجف معها جدران المكتب والمبنى بأكمله، و كانت تستتبع بعاصفة رملية تعلو في السماء وتحجب عنا رؤية مناطق واسعة من الضاحية الجنوبية لوقت ليس بقصير، لكن بعد انقشاع غيمة الغبار سرعان ما يتكشف هول الاجرام الاسرائيلي، ومدى الفاجعة التي لحقت بالضاحية وابنيتها التي سُوّيت بالارض تماماً جراء القنابل الملقاة على الابنية والاحياء السكنية.

بقيت ملازماً الرئيس سليم الحص حتى ساعة متأخرة من ليل ذاك اليوم بعدما سرت شائعات وأخبار عن تمكّن جيش العدو الاسرائيلي من اختراق خطوط دفاع المقاومة عند الحدود، وبأن دبابات العدو تتقدم باتجاه مناطق لبنانية من عدة محاور.
بعض وسائل الاعلام تناقلت الخبر، كما عرضت بعض الشاشات اللبنانية والعربية الخبر بلغة الشماتة مرفقة بعبارة "كانت مغامرة غير محسوبة، ولبنان يدفع الثمن".

بدت على الرئيس سليم الحص علامات القلق والانزعاج، وبعد صمت مطبق ساد الغرفة لثوان، التفت الرئيس صوبي وقال: أريد الاطمئنان عن السيد حسن نصرالله وعن الاخ محمد رعد". حينها قلت للرئيس "بإذن الله سأقوم بالاتصالات اللازمة"، لكن الرئيس سليم الحص ردّد قائلاً: "رفعت لا تأتي صباحاً إلى المكتب إلا وأنت تحمل الخبر اليقين".

استودعت الرئيس، وبدأت للتو بإجراء الاتصالات اللازمة وإرسال الرسائل، لكن لم أوفق نظراً لانقطاع التواصل، وعدم القدرة على التجوال في الشوارع بسبب استمرار طائرات العدو بالاغارة والتدمير الممنهج والقتل المتعمد واطلاق النار والصواريخ على كل ما هو متحرك وعلى مدار الساعة. لكني بقيت مستيقظاً على أمل الرد على رسائلي أو اتصالاتي، إلى أن وفقني الله قبل طلوع الفجر. رن هاتفي الخاص من دون ظهور الرقم أو هوية المتصل، وما ان وضعت سماعة الهاتف على أذني حتى سمعت صوتاً يقول
"شو عم تفتش عليي؟ عم ترنّلي؟ ورسائل؟ خير رفعت؟ ناقصك شي؟ صاير معك شي؟ الرئيس بخير؟ العيلة بخير؟". لم أتمالك نفسي، قمت لأقف على قدمي ونسيت أن الوقت هو الفجر، وصرخت بأعلى صوتي: "أنت بخير؟ السيد؟ الشباب؟ العيلة؟ الجبهة؟ طمني أوضاعكم؟ الرئيس قلق وباله مشغول، ويريد الاطمئنان عليكم فرداً فرداً".

في تلك اللحظه سمعت صوت ضحكة أثلجت صدري وهو يقول "طوّل بالك، نازل أسئلة. خود نفس خليني جاوبك.. بلّغ تحياتي للرئيس سليم الحص، وقل له سماحة السيد بأفضل حال وبصحة تامة والحمدلله، وهو صائم لله، نسأل الله تعالى الثبات والنصر".
سألته "والاخبار عن اختراق العدو على الجبهه؟". أجاب "طمّن الرئيس أن مجاهدينا الابطال في هذه اللحظة بالذات يتصدون للعدو ولدباباته في مارون الراس، ويمنعونه من تحقيق أي تقدّم. يكبّدون العدو الاسرائيلي خسائر فادحة في الارواح والدبابات والعتاد".

حينها ارتفع صوت أذان الفجر وقال: "لقد حان الوقت، أنا آسف، مضطر الى إنهاء المكالمة، وسلامي للرئيس سليم الحص، وقَبِّله مني ومن المقاومين الابطال على جبينه العالي".

غمرتني الفرحة العارمة، وطار القلق والخوف، رغم اصوات القنابل والطائرات والغارات. حينها تبادر الى ذهني معنى كلمة السيد حسن نصرالله "إما النصر وإما الشهاده"، فخالجني شعور غريب مليء بثقة من الله بأن النصر حليفنا.
لم أستطع الانتظار حيث أنا، واسرعت مبكراً الى المكتب لأجد الرئيس الحص في منزله في الدور الثالث صاحياً، يتتبع الاخبار عبر شاشة التلفاز وشريط الخبر العاجل.
دخلت عليه، وبعد "صباح الخير دولة الرئيس"، رد ّوبسرعة "صباح الخير.. كيف كانت ليلتك رفعت؟ نفذّت يلي طلبته منك؟ طمني". حينها التقطت انفاسي واجبته بالتالي: "سماحة السيد حسن نصرالله يبلغك السلام، وهو بألف خير وبصحة تامة، وهو صائم لله تعالى سائلاً اياه الثبات والنصر للمجاهدين. الأخ محمد رعد بألف خير ويصحة طيبة ويبلغك السلام، وسيحاول الاتصال بك اليوم إذا تأمنت ظروف الاتصال الآمن".

حينها سألني الرئيس سليم الحص "وما اخبار الجبهة؟". جاوبته "الجبهة بألف خير والأخبار جيدة جداً، والأشاوس لا زالو في أماكنهم وفي مواقعهم، وهم يقاومون بشراسة في هذه اللحظات على جبهة مارون الراس، يمنعون العدو الاسرائيلي من التقدم، ويكبدونه الخسائر في الارواح والدبابات. وكل المجاهدين في وضع جيد ومعنوياتهم عالية والحمدلله".
وما هي الا ثوان حتى دوى صوت انفجارات متتابعة في أرجاء بيروت، نتيجة غارات اسرائيلية مكثفة على الضاحية أدت الى خلع بعض أبواب الشرفة في منزل الرئيس. وبعد أن هدأت أصوات الانفجارات، التفتّ صوب الرئيس سليم الحص لأجده غارقاً في الضحك وهو ينظر نحوي. سألته "ما المضحك دولة الرئيس؟ غارات وحشية، تدمير، قتل أبرياء!". حينها وضع الرئيس يده على كتفي وقال
"الشباب بعدن بمارون الراس؟"، أجبته "نعم وبكل تأكيد دولة الرئيس، ولا زالوا صامدين يقاومون بكل شراسة". الرئيس الحص زاد من ابتسامته العريضة وهو يردد "انتصرنا.. نحن انتصرنا.. نعم انتصرنا.. كن على ثقة بان المقاومة قد انتصرت واستطاعت ان تسجل للتاريخ صمودا اسطورياً. تذكّر بأن العدو الاسرائيلي احتل سيناء بطول سبعماية كيلومتر في ظرف ستة أيام، فيما العدو الاسرائيلي عاجز عن التقدم ونحن في اليوم السابع للاعتداء الاسرائيلي. تأكّد يا رفعت أن شوكة العدو وأسطورة الجيش الذي لا يقهر قد كسرت في لبنان وعلى يد المقاومين الاشاوس، هم فخر و عز لنا، هؤلاء الابطال هزموا العدو الاسرائيلي وانتصر لبنان…".
كان هذا صبيحة التاسع عشر من شهر تموز 2006.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.