"قارئة الفنجان"  تبشّر بالتغيير وفق "الإشارات" الأميركيّة

"مهدّة" المرعبي تصيب جدار الإنتخابات والتحالفات 
جورج  علم

يضرب معين المرعبي الحديد وهو حام. يريد من إستعراضه المتلفز أن يوجّه رسالة عاجلة الى المملكة العربيّة السعوديّة: "نحن هنا.. مستنفرون على مشارف الإنتخابات، والتحالفات". يفتّش الرئيس سعد الحريري مرّة ثانية عن كوب الماء، مخزون السكري يرتفع، يحاول أن يأخذ نفسا طويلا ليكظم غيظه، هكذا نصحه المقرّبون، علينا أن نتأكد من الدوافع والخلفيات، هل هي فورة إنفعال دفعت بوزير الدولة لشؤون النازحين أن يقدم على ما أقدم عليه، أم أن هناك جهات خارجيّة تريد، من خلاله، توجيه رسالة مستفزّة للحريري، ومن قبل المقرّبين منه، والناشطين في تيّاره، من عناوينها الإعتراض على نهجه السياسي المتبع، وعلى خريطة التحالفات الإنتخابيّة التي يحاول رسمها؟!.

يستجير رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون بفضيلة الصمت، ما جرى إستفزاز كبير للعهد، وإنقلاب فاضح على دولة القانون والمؤسسات، لكن الشواذات والتجاوزات لا تعالج بالإنفعالات، وعامل الوقت مهم لوضع الأمور في نصابها الصحيح، ولا بدّ من أن تبرد الرؤوس الحاميّة أولا، حتى لا يعالج الخطأ بخطأ أكبر!. نزل المرعبي بمهدّته الى مرفق كهربائي عام ليحطّم بوّابته، ومن حوله الأنصار والمحاسيب الذين رفعوه على الأكتاف  مهللين "للبطل المقدام"، وللنصر المبين الذي حققه لإكتساب الشعبيّة. لا يمكن إجراء الإنتخابات بـ"المهدّة"، ولا يمكن الركون الى "المهدّة" لبناء التحالفات، هذه أداة للهدم لا للبناء، ولكن القاعدة عندنا معكوسة "ليس من بناء في لبنان، بل الهدم أولا، ثم إعادة ترميم  ما تهدّم ليحتسب من الإنجازات!".

شاءت الأقدار أن تكون هناك فترة سماح. إنه موسم الأعياد، وجلسات مجلس الوزراء معلّقة الى ما بعد عيد رأس السنة، ومن الآن وحتى حينه تكون النفوس المنفعلة قد هدأت، والرؤوس الحاميّة قد بردت، وعندها يمكن تجاوز الشواذ المفتعل عن طريق رميه في  مستوعب النسيان، إحتراما لتراتبيّة الإستحقاقات، وأبرزها إستحقاق الإنتخابات النيابيّة، وعندها يكرم المرء أو يهان!.

ويشكّل الإبحار وسط هذا الإعصار مغامرة محفوفة بشتى أنواع المفاجآت، أقلّه بالنسبة للرئيس الحريري  الذي ما أن حاول تجاوز  قطوع "المهدّة"، وشواذاتها، حتى إنهالت عليه الأسئلة من حركة أمل، ومن ديوان رئيسها، الرئيس نبيه برّي تحديدا، والملغّمة بعبوات ناسفة من الإحراج المضغوط بالغضب: لماذا يا دولة الرئيس توقّع مرسوم الضبّاط المعروف بمرسوم دورة عون، من وراء ظهرنا، ومن دون التنسيق المسبق مع الرئيس نبيه برّي، وهو الذي حضنك، وناصرك، ووقف الى جانبك عندما كنت في وضع ملتبس في المملكة العربيّة السعوديّة، وتبنّى قضيتك، وسعى جاهدا لضمان عودتك عن الإستقالة، وإستئناف نشاطك بشكل طبيعي في سرايا الحكم؟ أين الوفاء؟ هل هكذا يعامل الرئيس  بريّ؟ هل هكذا يكافأ عن طريق الطعن بالظهر؟ وإذا كان للرئيس العماد ميشال عون قناعاته، ومبرراته لتوقيع المرسوم، فما هي المبررات، لا بل القناعات التي حملتك على ركوب هذا المركب الخشن؟ ثم أي فلسفة جديدة تحاول أن تطبقها في إدارة شؤون البلاد والعباد، إذ كيف توقع مرسوما، وتحاول أن توعز بعدم نشره، فإذا كان غير مؤهل للنشر فلماذا توقعه؟ أما وقد وقعته فلماذا لا ينشر، وأين مصداقيّة المسؤول حيال كل ما جرى ويجري على هذا الصعيد؟!.

وتتلاقى الأسئلة الصادمة عند البيادر الإنتخابيّة. هل تصح "جردة الحساب، أم بعد بكير؟!". واين تمكن مصالح الحريري الإنتخابيّة في الإبتعاد عن المكوّنين الشيعييّن الرئيسييّن، حزب الله، وحركة أمل؟!. وبأي "مسلّة" يخيّط نادر الحريري وجبران باسيل؟ لا بل أي ثوب  يفصّلان لرئيس تيار المستقبل، إن على مستوى الدوائر، او التحالفات الإنتخابيّة، او الصوت التفضيلي، وهل من ثنائيّة سنيّة – مارونيّة تركّب منذ الآن ما بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر للإستئثار بكتلة نيابيّة مرجحة في المجلس النيابي الجديد؟ وما هي حقيقة الدوافع التي حملت البطريرك الكاردينال بشارة الراعي الى التحذير من سياسة الإلغاء، ومن الثنائيات في عظة عيد الميلاد، والتي القاها عبر الفضائيات أمام الرئيس عون، وبحضور نفر من أركان الدولة؟ وهل يملك البطريرك ما يكفي من المعلومات والمعطيات التي شجّعته على البوح بما يعتمل في الصدور؟.

لا يوجد عند قارئيّ الفنجان في بعض كواليس الدبلوماسيّة اللبنانية من معلومات يركن اليها، او يبنى عليها، ولكن أحد "الخبثاء" يطرح سؤالا من باب التحليل والإجتهاد: متى وقّع الرئيسان عون والحريري مرسوم "دورة الضبّاط"، قبل زيارة قائد القيادة الوسطى للجيوش الأميركيّة الجنرال جوزف فوتيل الى بيروت، ام بعدها؟. ولأن المرسوم "قد صودف" ووقّع بعد الزيارة، فهذا يعني الكثير عند السائل  الفخور بإظهار قفّازاته الدبلوماسيّة الحريريّة الملمس، والخشنة في مقاربة الأمور. يعني أولا أن مرسوما بهذا الحجم، وبهذه الترددات، وداخل المؤسسة العسكريّة، لا يمكن ان يمرّ مرور الكرام لو لم تكن هناك موافقة أميركيّة ضمنيّة، وبعد إحتساب دقيق لمفاعيله، وإنعكاساته على التراتبيات والتوازنات داخل المؤسسة العسكريّة. وهذه مقاربة منطقيّة الى حدّ ما إذا ما أخذنا بعين الإعتبار التنسيق القائم ما بين قيادتي الجيشين اللبناني والأميركي، والإلمام الشامل لدى "القيادة الوسطى" بواقع الجيش اللبناني لوجستيّا، وخبراتيّا، ومخابراتيّا، وإعدادا، وتنظيما، وتجهيزا، والوقوف مسبقا عند التفاصيل حتى  الثانويّة منها!.

ويعني ثانيا، فتح ملف الإنتخابات، والتحالفات التي ستنتج مجلسا نيابيّا جديدا إعتبارا من السادس من ايار المقبل، وأبرز الكتل التي ستكوّن أكثريته المرجّحة، والمعالم المفترضة للحكومة الجديدة التي ستنبثق عن الكتل التي تكون قد فرضت نفسها في البرلمان الجديد، والخطوط العريضة للبيان الوزاري، وهل سيحمل ملامح تغيير في اللغة الخشبيّة التي صيغت بها كل البيانات السابقة بعد خروج القوات السورية من لبنان في نيسان 2005، ولغاية تاريخه، لا بل هل من تغيير جوهري وحقيقي في الحياة السياسيّة اللبنانية على الأقل خلال السنوات الأربع المقبلة، وهي العمر الشرعي، والدستوري، والميثاقي للمجلس النيابي الجديد، أم أن المجلس المنتخب سيكون صورة طبق الأصل عن الحالي الذي مدّد لنفسه ثلاث مرات؟.

ويعني ثالثا البداية العملانيّة لبناء دولة القانون والمؤسسات، وحصر السلاح بالقوى الشرعيّة، والتخلّص من الإزدواجيّة القائمة، ومنطق الدولة والدويلة، ومقولة "ناس بسمنة، وناس بزيت!".

وعند هذه النقطة تحديدا ينقسم الرأي السياسي المحلي بين قائل بأن مرسوم "دورة عون" لا يحتمل مثل هذا القدر من الأوزار، والتحليل، والإجتهاد، والمسألة محصورة في النهاية بالكيمياء المفقودة بين الرئيسين عون وبريّ، والحقيقة تقال بأنهما يتعاملان معا "عالقطعة" وفق الظروف، والمناسبات، والمصالح المشتركة، ذلك أن الرئيس عون  لا يزال يعاني من "عصر الهضم" رغم مرور نيف وعام على إنتخابه رئيسا للجمهوريّة، ورغم مرور كل هذه الأشهر والأسابيع فإنه لم يهضم بعد موقف الرئيس برّي عندما أعلن جهارا نهارا "لن أنتخبك رئيسا للجمهوريّة". في حين أن هناك من يقول بأن "القصة أبعد من الحرتقات السياسيّة الداخليّة"، القصّة أن الولايات المتحدة معنيّة بالإنتخابات، لا بل أنها المعني الأول، وقبل كلّ اللبنانيين بمختلف مواقعهم ومواقفهم، ومعنيّة بالتغيير، ومعنيّة بأن يكون القانون الإنتخابي الجديد فاتحة خير للمضي قدما في تنفيذ سياستها المرسومة تجاه لبنان تحت شعار دعم الجيش، والحرص على الأمن والإستقرار، وبناء دولة المؤسسات، وتحويل حزب الله من حزب ميليشيوي مسلح الى حزب سياسي مماثل لغيره من الأحزاب السياسيّة، والحد من التمدد الإيراني في الحياة العامة، ومفاصل الدولة والمؤسسات.

سياسة الساسة المعتمدين في لبنان هي سياسة "قارئة الفنجان"، وهذه ليست حكرا على الضالعين بكشف البخت، وعلم الغيب، بل على السياسييّن أيضا الذين يمضون أوقاتهم، وسهراتهم في ضيافة الخيم الدبلوماسيّة العربيّة، وخصوصا الأجنبيّة، لرشف القهوة، والإستمتاع بنفس الأركيلة، والتنصت للوشوشات المنسابة من الخارج وعبر الأثير. ولبنان بحابله ونابله، يضحك على نفسه وعلى الاخرين مدعيّا بأنه يريد الإنتخابات حتما، وفي مواعيدها المعلنة لإحداث التغيير، فيما الولايات المتحدة تريدها فعلا، وتريد أن تحمل  التغيير حتما للوصول الى معادلة سياسيّة داخليّة تساعدها على تطبيق إستراتجيتها المعدّة تجاه لبنان. لكن هل يمكن ان يكون ذلك عن طريق التفرّد بالحكم، او من خلال الثنائيات… أم يبقى لصوت البطريرك التحذيري.. صدى؟!…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.