هل تكون الجولة المقبلة في غزة أكثر فتكاً؟

"فورين بوليسي"
نيري زيلبر (*)

خلال العام الماضي، انخرطت إسرائيل وحركة «حماس» كل شهريْن تقريباً في جولة عنف مميتة بل محدودة نسبياً – حيث كانت الجماعة الإسلامية المسلحة تُطلق الصواريخ من قطاع غزة لتردّ إسرائيل بضربات جوية طوال يوم أو يوميْن إلى حين تدخُّل الوسطاء الدوليين لوقف القتال. ووقعت جولة القتال الأخيرة خلال نهاية الأسبوع المنصرم وهي الأكثر فتكاً منذ حرب عام 2014، لكنها تتماشى مع نمط الجولات التي سبقتها.

ولكن ثمة مؤشرات – اقتصادية وعسكرية وسياسية – تدلّ على أن هذه الجولة قد تكون الأخيرة من بين جولات التصعيد القصيرة. وفي غياب ترتيب دبلوماسي أكثر استدامةً بين إسرائيل و «حماس» التي تحكم غزة، فمن المرجح أن تكون المواجهة المقبلة أوسع بكثير وأكثر دموية، ويتعذر احتواؤها بسهولة.

وكان السبب المباشر لهذه الجولة الأخيرة، على غرار جميع الجولات التي سبقتها، اقتصادياً. فقد حاولت «حماس» كسر الحصار القائم منذ 12 عاماً على القطاع الساحلي من خلال الاستخدام المدروس للعنف، أي التفاوض عبر الصواريخ وغيرها من الوسائل (من بينها الاحتجاجات الجماعية على الحدود) من أجل انتزاع تنازلات من جانب إسرائيل. وبالفعل، كان اتفاق وقف إطلاق النار – ما يُطلق عليه البعض تسمية "الهدنة" – بين إسرائيل و «حماس» مطروحاً منذ الخريف الماضي. ومقابل وقف العنف، ستوافق إسرائيل على عدد من الخطوات البعيدة الأثر، وتخفف القيود من أجل تحسين الظروف الإنسانية القاسية التي تعيشها غزة.

ووسط التوترات المتنامية أساساً يوم الجمعة الثالث من أيار/مايو، قال المسؤول البارز في حركة «حماس» خليل الحية، إنه على الرغم من الجدول الزمني المتفق عليه، تقاعست إسرائيل عن تنفيذ بعض بنود الاتفاق، موضحاً أن "كافة الخيارات متاحة، ونحن نعرف كيف نجعل إسرائيل تفي بتعهداتها". وفي صباح اليوم التالي، بدأت الجماعات الفلسطينية المسلحة بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل.

وبعد يومَيْن، انتهت الأعمال العدائية فعلياً عند النقطة نفسها التي انطلقت منها: وسط تفاوض الجانبَيْن على اتفاق وقف إطلاق النار نفسه. ومن جهتها، تعهدت إسرائيل الآن وفقاً لبعض التقارير بالمضي قدماً بشكل عاجل بتنفيذ بنوده خلال الأيام المقبلة.

ويتطلب وقف إطلاق النار بشكل ملموس قيام قطر بإرسال عشرات ملايين الدولارات نقداً إلى غزة شهرياً، لدفع رواتب موظفي «حماس» في القطاع العام، وإعانات للفقراء والجرحى، وبرنامج النقد مقابل العمل الذي ترعاه الأمم المتحدة ويستفيد منه نحو 15 ألف مواطن من السكان المحليين. بالإضافة إلى ذلك، ستُستأنف شحنات الوقود التي تمولها قطر، وسيتم إعادة توسيع منطقة الصيد قبالة ساحل غزة، وإعادة فتح المعابر إلى القطاع (والتي تم تقييدها جميعاً من قبل إسرائيل خلال الأسبوع الماضي).

ويُعتقد أيضاً أن المشاريع الإنسانية والتنموية التي تُدار بشكل رئيسي من خلال الأمم المتحدة تندرج ضمن إطار الاتفاق، مما يساعد على إصلاح قطاعات الصحة والمياه والصرف الصحي والطاقة المدمّرة في غزة. وسيتم تحسين توليد الكهرباء بفضل الإصلاحات التي ستشهدها محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة، ولاحقاً عن طريق إدخال خطوط جديدة والطاقة الشمسية من إسرائيل.

وأفادت بعض التقارير أن إسرائيل وافقت أيضاً على رفع ثلث القيود التي تفرضها على استيراد ما يُسمى بالمواد ذات الاستخدام المزدوج – والتي يُحتمل استخدامها لأغراض عسكرية – إلى غزة، وتخفيف القيود المفروضة على بعض الصادرات من غزة.

وتطول قائمة المطالب التي، إذا ما تم تنفيذها، ستساهم إلى حد ما في استقرار الوضع – ولكن أيضاً في تعزيز قوة «حماس»، وهو ما لا ترغب به إسرائيل. ومع ذلك، إذا لم يتم تلبية المطالب، كما صرّح أحد السياسيين في غزة لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فحينئذ "ستكون كافة الخيارات مطروحةً على الطاولة". وإذا بدا ذلك مماثلاً على نحو مخيف للتهديد الذي أُطلق يوم الجمعة الماضي، فيكون قد حقق الهدف المرجو. لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يعترفون حتى بوجود وقف لإطلاق النار، ناهيك عن التنازلات التي يُطلب منهم تقديمها. وقد لا يكون ذلك كافياً هذه المرة.

وعلى الصعيد العسكري البحت، بدا أن خيارات الجانبين خلال هذه الجولة الأخيرة قد تزايدت بشكل تصاعدي. فقد أطلقت «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» وغيرهما من الفصائل في غزة أكثر من 600 صاروخ وقذيفة هاون على إسرائيل في أقل من 48 ساعة، مما تسبّب ببث الذعر على نطاق واسع ووقف أشكال الحياة في جميع المناطق جنوباً. ولقي ثلاثة مدنيين إسرائيليين حتفهم بنيران الصواريخ – في أولى حالات الوفاة في صفوف المدنيين منذ عام 2014 بسبب العنف الناشئ من غزة.

وصحيح أن نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي المعروف بـ"القبة الحديدية" أبلى جيداً بشكل عام، لكنه هُزم خلال فترة مكثفة من إطلاق وابل من الصواريخ الفلسطينية المتواصلة يوم الأحد. وللمرة الأولى منذ خمس سنوات أيضاً، تمّ استهداف مدن رئيسية جنوباً بشكل مستمر عبر قذائف طويلة المدى. وقُتل إسرائيلي آخر عندما أصاب صاروخ موجّه مضاد للدبابات سيارتَه قرب حدود غزة، في علامة أخرى على التصعيد.

وجاء رد الجيش الإسرائيلي قاسياً، حيث قام بضرب أكثر من 300 هدف داخل غزة، من بينها عدد من المباني المتعددة الطوابق ومنازل قادة مقاتلين يُزعم أنهم يُعدّون الأرضية للعمليات العسكرية. ومن الإجراءات الدلالية أيضاً أنه بعد فترة توقف طويلة، استأنف الجيش الإسرائيلي ممارسة الاغتيالات المستهدفة لشخصيات بارزة، من بينها شخصية واحدة من «حماس» وأخرى من حركة «الجهاد الإسلامي». ولقي أكثر من 20 فلسطينياً حتفهم خلال يومَيْن من القتال، ونصفهم تقريباً من المقاتلين المعترف بهم.

وقد لجأ الجيش الإسرائيلي تحت قيادة رئيس الأركان الجديد أفيف كوخافي إلى مقاربة أعنف رد على أعمال العنف المتأتية من غزة. وكتب المراسل العسكري الإسرائيلي المخضرم رون بن يشاي على موقع "واي نت" الإخباري: "يبدو هذه المرة أنه تم رفع أي قيود قد يكون الجيش الإسرائيلي يعمل بموجبها". وفي هذا الخصوص، يتّبع الجيش ببساطة المزاج السياسي والعام داخل إسرائيل بعد شهور من عمليات التصعيد الدورية – وتكون كل واحدة منها أكثر فتكاً من الأخرى.

وانتقد زعيم المعارضة بيني غانتس، الذي كان رئيس أركان الجيش سابقاً، سياسة الحكومة، مطالباً بشنّ هجوم عسكري كامل. وقال في ذروة أعمال العنف خلال نهاية الأسبوع: "علينا استعادة قوة الردع التي تقلّصت بشكل كارثي منذ أكثر من عام". وما أثار القلق بشكل أكبر بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كانت الانتقادات الواسعة من الداعمين في صفوف معسكره اليميني بعد أن تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وفي هذا السياق، أفاد أحد سكان الجنوب قائلاً: "أعتقد أنه إخفاق من جانب نتنياهو، وأنا آسف لأنني أقنعت الناس بالتصويت لصالحه. فغزة تقرر متى تبدأ حرباً ومتى تنهيها".

من جهته، أطلق جدعون ساعر، أحد كبار المسؤولين في حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو انتقاداً نادراً بحق رئيسه، حيث غرّد قائلاً: "إن الظروف التي تمّ بموجبها التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار سلبيةً بالنسبة لإسرائيل… فالفترات الزمنية بين جولات العنف التي تستهدف إسرائيل ومواطنيها تتقلّص، في حين تزداد الجماعات الإرهابية في غزة قوةً. ولم يتمّ منع حملة [عسكرية]، بل تمّ تأجيلها".

أما اللافت للانتباه فهو الصمت الكامل (والمستمر) لوزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان خلال التصعيد في نهاية الأسبوع المنصرم. فهو الذي استقال غاضباً من حكومة نتنياهو خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بعد جولة عنف مماثلة – ووقف لإطلاق النار – في غزة، احتجاجاً على ما أسماه "استسلام إسرائيل للإرهاب".

وبعد أن نجح في إعادة انتخابه الشهر الماضي، يعتمد نتنياهو على حزب ليبرمان الصغير لتشكيل ائتلاف حاكم في البرلمان. غير أنه وبشكل لا يصدّق، فإن ليبرمان مرشح محتمل للعودة إلى وزارة الدفاع. لكن مقابل دعمه السياسي، أصدر علناً مجموعةً من المطالب، بما فيها تغيير كبير في السياسة تجاه غزة.

وصرّح ليبرمان بعد الانتخابات قائلاً: "لقد استقلت بسبب خلاف جوهري: رئيس الوزراء يدعم ترتيباً [مع «حماس»] وأنا أدعم اتخاذ قرار [عسكري] في قطاع غزة. وهذا ليس خلافاً بسيطاً".

وفي اليوم الذي أعقب وقف الصواريخ والطائرات المقاتلة، أعلن نتنياهو للشعب الإسرائيلي أن "الحملة لم تنتهِ بعد وتتطلب الصبر والحكمة. نحن على استعداد للمواصلة. ولطالما كان الهدف – ولا يزال – ضمان الهدوء والأمن لسكان الجنوب".

ويبقى السؤال الأساسي ما إذا كان هذا "الهدوء" سيتحقق من خلال اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار مع «حماس» (على الرغم من احتجاجات ليبرمان) أو عبر هجوم عسكري. وفي الثامن من أيار/مايو، واصل الأمين العام لحركة «الجهاد الإسلامي» زياد نخالة، تهديداته وحذّر من أن "التصعيد الأخير كان مجرد تدريب استعداداً للحملة الكبرى المقبلة".


(*) نيري زيلبر هو زميل مساعد في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.