لماذا يستحق لبنان الدعم الدولي؟

Project Syndicate Logo
تشارلز تانوك (*)

الأخبار من لبنان في الأسابيع الأخيرة كانت قاتمة. مع اشتداد الاحتجاجات في الشوارع في بيروت والمدن الأخرى، تزداد المعاناة الاقتصادية للبلاد. ترسخت الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى نقص العملة الصعبة التي تعيق واردات السلع اليومية الحيوية مثل القمح والأدوية والوقود. علاوة على ذلك، تحدث هذه المشكلات على خلفية النمو الاقتصادي المتعثر والديون الخارجية الضخمة. فرضت البنوك المحلية ضوابط غير مسبوقة على رأس المال، وفقد الآلاف من اللبنانيين وظائفهم مؤخرًا أو انخفضت أجورهم بشكل كبير.

إذا نظرنا من الخارج ، لا يوجد سوى حل واحد قابل للتطبيق: لبنان نفسه بحاجة إلى حل أزمته السياسية وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية والمتأخرة. ولكن لتحقيق النجاح، يحتاج البلد إلى المجتمع الدولي لدعمه ماليًا.

في مؤتمر عُقد في باريس عام 2018، تعهد المانحون الدوليون بتقديم قروض ومنح للبنان بقيمة 11 مليار دولار، مشروطة بتنفيذ مختلف الإصلاحات – وهي رسالة أكد عليها المانحون مؤخرًا. يشكل تشكيل حكومة عاملة خطوة أولى على هذا الطريق، حتى يتمكن المجتمع الدولي من رؤية حكومة فعالة تعود إلى البلاد. تبدو هذه الشروط عادلة وتتماشى مع بعض مطالب المحتجين. في الوقت نفسه، يجب أن يكون الدعم الدولي للبنان في ساعة حاجته حازما ولا لبس فيه.

من المهم أن نتذكر لماذا يعيش لبنان مثل هذه الصعوبات الاقتصادية. عانت البلاد من تداعيات الحرب في سوريا المجاورة: فهي تستضيف 1.5 مليون لاجئ فروا من النزاع، إلى جانب تحمل التأثير الاقتصادي الهائل المتمثل في وجود شريك تجاري وثيق في الحرب. من خلال استقبال هؤلاء اللاجئين ورعايتهم، يتحمل لبنان عبئاً لا يطاق على أمل جلب مزيد من الأمن والاستقرار إلى منطقة خطيرة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، فإن العقوبات الأميركية التي تستهدف الحزب السياسي الشيعي وميليشيا حزب الله تؤثر على المواطنين والشركات اللبنانية العادية.

كما ساهم الخلاف السياسي الداخلي في الأزمة الحالية. كانت الرئاسة اللبنانية شاغرة لأكثر من عامين حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وأثار إعلان استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري في المملكة العربية السعودية في عام 2017 صدمة في الأسواق المالية في البلاد وأدت إلى تدفقات رأس المال إلى الخارج. في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي جرت في لبنان في أيار (مايو) 2018، أبرز تأخير آخر لمدة تسعة أشهر في تشكيل حكومة جديدة – برئاسة الحريري مرة أخرى – فراغ القيادة في البلاد والانحراف السياسي.

علاوة على ذلك، تم تخفيض التصنيف الائتماني الدولي للبنان، مؤخراً من قبل Fitch، التي خفضت تصنيفها من C الثلاثي إلى C المزدوج. هذا ليس مفاجئًا: فمع نسبة الدين غير المستدامة إلى الناتج المحلي الإجمالي البالغة 152٪ – جزئياً نتيجة الاقتراض الثقيل المطلوب لتمويل إعادة الإعمار بعد الحرب – يعد لبنان ثالث أكبر بلد مديون في العالم. تستهلك مدفوعات الفوائد ما يقرب من نصف إيرادات الحكومة، في حين أن زيادة أجور القطاع العام لعام 2017 وزيادة أسعار الفائدة زادت من العجز في الميزانية.

على النقيض من سوء الإدارة الاقتصادية للحكومات اللبنانية المتعاقبة، قام البنك المركزي، بكفاءة ودقة في بالسير وسط الاضطراب الحالي في السوق وعمل كقوة استقرار. على الرغم من الانتقادات للحاكم رياض سلامة من قبل الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الله، إلا أنه ينظر إليه على نطاق واسع على أنه لعب دورًا حيويًا في منع حدوث أزمة أسوأ بكثير.

على سبيل المثال، باع مصرف لبنان دولارات أميركية لكبار المستوردين لضمان استمرار الإمدادات الأساسية وأقرض الحكومة حتى تتمكن من دفع رواتب العاملين في القطاع العام، بما في ذلك القوات المسلحة. علاوة على ذلك، أصدر البنك المركزي تعليمات للبنوك المحلية بزيادة رأسمالها بنسبة 20٪ بحلول شهر حزيران/يونيو من هذا العام، وهو يشجع على استخدام الليرة اللبنانية.

تلقى لبنان إشارات قوية من المجتمع الدولي بأنه يجب عليه أيضًا طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. يبدو أن الحريري – الذي يشغل حاليًا منصب رئيس الوزراء المؤقت – بعد استقالته بعد وقت قصير من بدء الاحتجاجات في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 – منفتح على القيام بذلك. حذرت وكالة "موديز" مؤخرًا من أنه بدون مثل هذا الدعم الدولي، من المرجح أن يواجه لبنان "سيناريو لعدم الاستقرار الشديد للاقتصاد الكلي"، تؤدي فيه إعادة هيكلة الديون وزعزعة الاستقرار المفاجئة في ربط العملة بالدولار إلى خسائر كبيرة للمستثمرين من القطاع الخاص.

لذا فإن النقاش المستمر حول تقديم الدعم الاقتصادي للبنان في لحظة الأزمة هذه أمر مشجع ويشير إلى إجماع دولي قوي لمساعدة البلاد على مساعدة نفسها. كان هناك تطور إيجابي آخر (لكن لم يتم الإبلاغ عنه) في كانون الأول/ديسمبر، عندما قررت الحكومة الأميركية 115 مليون دولار كمساعدات مؤسسية للبنان.

بالطبع، لن يكون من السهل على لبنان ترتيب واقعه السياسي، بالنظر إلى الاحتجاجات المستمرة في الشوارع والتوترات المتزايدة. لكن على الزعماء السياسيين تشكيل حكومة جديدة بشكل عاجل وتقديم مجموعة من الإصلاحات التي يتطلبها المجتمع الدولي. في المقابل، تحتاج البلاد وتستحق تعهدًا عالميًا في الوقت الذي تحقق فيه تقدمًا على هذا المسار، فإن المساعدات الدولية البالغة 11 مليار دولار ستتبع بسرعة الأموال الأميركية التي تم صرفها مؤخرًا.

لدى المجتمع الدولي مصلحة حيوية في لبنان مستقر وعافٍ، من أجل مصلحة البلاد وتثبيت منطقة استراتيجية جغرافيا سياسية. علاوة على ذلك، فإن التضحيات الشديدة لهذا البلد الصغير نتيجة للحرب في سوريا قطعت شوطًا طويلاً نحو تعزيز أمننا في أوروبا. نيابة عن مواطنينا بالامتنان، ندين للبنان بدعمنا القوي.


(*) تشارلز تانوك كان عضوًا في البرلمان الأوروبي من عام 1999 إلى عام 2019 وعمل في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.