الخوف من التصعيد يوفر الأساس للتراجع.. وتسوية؟!

TheHill.com
"ذي هيل"
دينس روس (*)

لا شك في أن مقتل قاسم سليماني سيغيّر مجريات الأمور. فقد كان العقل المدبر للسياسات الإيرانية في المنطقة، وربما كان ثاني أقوى شخصية في التسلسل الهرمي الإيراني.

لقد طوّر المليشيات الشيعية وحوّلها إلى أدوات إيرانية للإكراه والنفوذ والترهيب في الشرق الأوسط. ودرّب عملياتها وموّلها وسلّحها وساعد في توجيهها، وهي بدورها مكَّنت إيران من بسط نفوذها بأقل تكلفة ممكنة. أما نجاحاته فقد سمحت للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بالإشارة إلى لبنان وسوريا كجزء من "خط الدفاع الأمامي" لإيران. فقد تحدث قادة «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني والبرلمانيون عن الهيمنة الإيرانية في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

ولم نشهد تلاشي صورة النجاحات الإيرانية إلاّ في الأشهر الأخيرة. فقد تمكّن سليماني من أن يبسط سيطرة إيران، إنّما تعذّر عليه منع ردود الأفعال العنيفة ضد سوء إدارة الوكلاء الإيرانيين وفسادهم والقمع الذي يمارسونه – سواء كان «حزب الله» في لبنان أو المليشيات في العراق.

ولم يكن تمادي سليماني المفرط قد بدأ بتقويض موقفه أمام المرشد الأعلى خامنئي بعد – ولن يهتمّ خامنئي كثيراً بأن سليماني قد بالغ في إظهار قوته وأصبح واثقاً جداً من أنه في موقع يتعذّر المساس به – ولكن بدلاً من ذلك سيرى خامنئي أن شخصية أساسية في النظام قد اغتيلت على أيدي الأميركيين. كما لن يراجع حساباته أو يتعلم من دروس الماضي، بل سيرى أن إيران لا تستطيع أن تسمح بأن يمرّ مثل هذا الهجوم المباشر على زعيم إيراني مرور الكرام ودون أي ردّ – ففي نظره، إن القيام بذلك من شأنه أن يهدد النظام نفسه.

وعليه، سيرد الإيرانيون، مسترشدين بإحساسهم لتحديد زمان الرد ومكانه. وفي الواقع، إنّ تردد خامنئي الأساسي في الدخول في حروب قتالية مباشرة – وهو تردد نابع عن نظرته إلى التكاليف الهائلة التي تم تكبّدها جرّاء الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي – من شأنه أن يُنبئ بالخيارات التي سيتبناها الإيرانيون.

بدايةً، سيرغب خامنئي – وقد بدأ بالفعل – بالاستفادة من الفوائد المحلية المحتملة المترتبة على ردود الفعل القومية إزاء اغتيال شخصية كان النظام قد فعل الكثير للاحتفاء بها كونها دافعت عن إيران ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». ففي أعقاب السحق الوحشي للمظاهرات وأعمال الشغب بسبب تخفيض الدعم المحلي للغاز، أصبح من المؤكد أن لخامنئي مصلحة في محاولة اجتذاب دعم جماهيري أوسع.

بيد أن تأجيج مشاعر الغضب والاستياء القومية له حدوده، وسيغذي، في الوقت نفسه، الحاجة إلى إظهار أن النظام الإيراني لا يسمح بأن يمر موت سليماني من دون محاسبة.

تجدر الإشارة إلى أن خامنئي أكثر حرصاً من أن يندفع ويتخذ تدابير إيرانية مباشرة تستفز ردود فعل عسكرية صارمة، ولا سيّما من جانب الولايات المتحدة. فهو يدرك الخطر الحقيقي لاندلاع حرب مباشرة ضد أميركا، وسيسعى إلى تجنبها. بالتالي، ستفضي غريزته إلى التصرف من خلال الوكلاء، والحفاظ على إمكانية الإنكار، والحد من الخطر الحقيقي الذي يهدد النظام. وسيتمثل التحدي بالنسبة إليه في بذل القدر الكافي من الجهد لإظهار أن إيران تفرض دفع ثمن باهظ مقابل مقتل سليماني من دون أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب أكثر مباشرة مع الجيش الأميركي ضد إيران نفسها.

لذلك، يجب أن نتوقع مجموعة واسعة من الإجراءات والهجمات التي يمكن أن تمتد على مدى الأشهر المقبلة، بما فيها:

  • تجديد الضغط الشعبي عن طريق الميليشيات الشيعية لإرغام الحكومة العراقية على مطالبة جميع القوات الأميركية بمغادرة البلاد؛
  • شنّ هجمات إرهابية على أهداف أميركية سهلة أو رموز أو مسؤولين أميركيين في الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولي؛
  • استخدام الوكلاء للطائرات المسيّرة أو صواريخ كروز أو الصواريخ لضرب المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت.

وسيكون جزء من الثمن الذي سيسعى الإيرانيون إلى فرضه ثمناً سياسياً. فسيرغبون في زرع بذور عدم اليقين وعدم الاستقرار في المنطقة، مع الإشارة علناً إلى أن مقتل سليماني هو ما أطلق العنان لتلك الأعمال.

وستظهر أيضاً رغبة في الانتقام من الرئيس ترامب. فتماماً مثلما كان آية الله الخميني مصمماً على جعل الرئيس كارتر يدفع ثمن ردوده على "أزمة الرهائن" في سفارة الولايات المتحدة عام 1979 وعملية "مخلب النسر" الإنقاذية الفاشلة من خلال عدم إطلاق سراح الرهائن إلى أن تمّ تنصيب الرئيس رونالد ريغان، سيتطلع خامنئي إلى إحراج الرئيس ترامب في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الأميركية. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا، هل سيحصل هجوم إرهابي موقوت؟ هل ستزداد الهجمات الوكيلة ضد القوات الأميركية أو قواعدها، مما يعزز صورة مشاركة الولايات المتحدة في حرب جديدة غير متبلورة "لا نهاية لها"؟ هل سيتم ضرب عدد كافٍ من المنشآت النفطية لضمان ارتفاع أسعار النفط؟

تأمل إدارة ترامب في أن يكون مقتل سليماني بمثابة رادعٍ. ولكن نظراً إلى حاجة إيران إلى إثبات التكاليف الباهظة المترتبة على مقتله، فإن ذلك سيكون صعباً. إذاً، ما الذي يجب أن تفعله الإدارة الأميركية؟

من الصواب إرسال المزيد من القوات إلى المنطقة، أكان ذلك للإشارة إلى إيران بأن الولايات المتحدة على استعداد لفرض ثمن على عملها الذي يهدد الوجود الأميركي، أو لتحسين أمن البنى التحتية التي قد تكون عُرضة للخطر. وقد تكون أيضاً عمليات الانتشار العسكري خطوة ضرورية، ولكنها بالتأكيد لن تكون كافية لحماية جميع المواقع التي تحتاج إلى الحماية. وعلاوة على ذلك، فإنّ التأثير الذي تتركه على الإيرانيين محدود.

يجب أن تكون الدبلوماسية النشطة والفعالة – وهي سمة بالكاد تُعرف بها إدارة ترامب – جزءاً مما يتم فعله الآن. يتعين على ترامب ووزير الخارجية والدفاع الأميركيين مايك بومبيو و مارك إسبر أن يشيروا إلى نظرائهم بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى أي صراع أو تصعيد، ولكنها لن تتسامح مع الهجمات على قواتها أو شركائها، وسوف تتصدى لها. ولن يقتصر الهدف على جعل الأوروبيين يبلّغون الإيرانيين – ولا سيما خامنئي – أن المخاطر عالية جداً وأنهم أيضاً سيعارضون التحركات الإيرانية المباشرة أو غير المباشرة التي تؤدي إلى نزاع أوسع في المنطقة فحسب، بل الروس والصينيين أيضاً. كما يتعين على خامنئي أن يدرك أنه سينتهي الحال بإيران في عزل نفسها إذا سعت إلى زعزعة استقرار المنطقة. إن فرض ثمن على الولايات المتحدة هو أمر، أمّا عزل نفسها سياسياً فهو أمر آخر بالنسبة للإيرانيين.

صحيح أن لا أحد سيتصرف بالنيابة عن الولايات المتحدة فيما يخص الإيرانيين في هذه المرحلة، ومن المرجح أن يطالب أي طرف مماثل بالتزامات في المقابل – وهنا يلعب فن الدبلوماسية دوره، إذ يشير إلى أن واشنطن تتمتع بالمرونة إذا ما تمكّن الآخرون بدورهم من التوصل إلى هدوء وتجاوب من جانب إيران. فالأميركان أصحاب النفوذ هنا لأن كل من حلفائها والروس والصينيين لا يرغبون في "انفجار" المنطقة. وفيما يتعلق ببوتين، فإن آخر ما يريده هو أن تظهر القوة الأميركية مهيمنة مرة أخرى في المنطقة. ومن منطلق إدراكه أن ترامب يريد الخروج منها وعدم "إغراق" المزيد من القوات فيها، فربما يكون بوتين على استعداد للاضطلاع بدور الوسيط مع إيران.

إن الخوف من التصعيد هو بالضبط ما يمكن أن يوفر الأساس، أولاً، لحمل الجميع على التراجع، وثانياً، للاستناد إلى ذلك من أجل التوصل إلى مقاربة تدريجية في التعامل مع كل من القضية النووية والحاجة إلى وضع حدود أو التوصل إلى تفاهمات حقيقية حول الخطوط الحمراء بشأن ما قد يفعله الإيرانيون في المنطقة وما وقد لا يفعلونه.

ولعل ذلك أمراً بعيد المنال. ولكن من عجيب المفارقات هنا أن خطورة الوضع هي التي تؤدي إلى انفتاح محتمل. إن استعداد الولايات المتحدة لزيادة قدراتها وقواتها العسكرية مع الإشارة أيضاً إلى استعدادها للتوصل إلى تسوية، هو ما يمكن للروس و/أو غيرهم استخدامه لفرض ضغوط جماعية على إيران، حتى لو كانوا يقدمون أيضاً تخفيفاً حقيقياً للعقوبات.

ومن الواضح أن كل شيء يبدأ مع نقل إدارة ترامب رسالة مزدوجة بشكل نشط: لا تختبرونا أكثر، ولكننا مستعدون لقبول التفاهمات. فهل هذا ما كان يحاول ترامب قوله عبر تغريدته: "لم تفز إيران أبداً بالحرب، لكنها لم تخسر التفاوض قط؟"

قد لا تكون إيران مستعدة للاستماع إلى الولايات المتحدة، لكنها لن تتجاهل الآخرين. واليوم حان الوقت لكي يعمل رئيس "أميركا أولاً" مع الآخرين.


(*) دينيس روس هو المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط، و"زميل ويليام ديفيدسون" المتميز في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى". 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.