"جميلة" الطاقة.. و"وحوش" النفط!

نورما أبو زيد /

على الرغم من المساحة "المزروكة" الممنوحة لنواعم لبنان في الشأن العام، استطاعت المرأة أن تثبت بأنّها ليست أقلّ كفاءة من الرجل، وأنّها أكثر شفافية ومناقبيّة، لا سيّما في الشقّ المتعلّق بالعمل الوزاري. إذ لا يمكن الركون إلى تجربة النواعم في المجلس النيابي، كونهنّ بمعظمهنّ وارثات، في ما خلا بعض الاستثناءات غير المشجّعة في مجلس 2018.

أربع وزيرات ضمّتهنّ حكومة الحريري الثالثة في زحمة الوجوه الخشنة الكالحة، اثنتان منهنّ استطعن العمل بجدية، وخرج الناس بانطباعات إيجابية عنهما، رغم الكارتيلات الموروثة التي تتفوّق على الوزراء في وزاراتهم، والمقصود هنا وزيرة الداخلية ريا الحسن، ووزيرة الطاقة ندى البستاني.

فعلى الرغم من "الزحطات" على موز تلزيمات الداخلية التي تتعامل معها ريا الحسن وفق مسلّمة "لا حول ولا"، بعدما عجزت عن فرض إصلاحاتها بصورة كاملة. وعلى الرغم من "توتّر" المنصورية الذي واجهته ندى البستاني ببرودة مرفوضة. تبقى الحسن أفضل عيّنة وزارية قدّمها "تيار المستقبل" في الحكومة المستقيلة وفي كلّ الحكومات التي سبقت. وتبقى البستاني أفضل عيّنة وزارية من عيّنات "التيار الوطني الحرّ"، التي ضُربت عبر وزيرين، أحدهما متفلسف يقدّم وصفات بيئية منتهية الصلاحية، هو وزير البيئة فادي جريصاتي. والثاني "مفرفش" هو وزير المهجرين غسان عطاالله.

بالتوازي مع تميّز الحسن والبستاني، ثمّة إجماع بأنّ إداء وزراء حكومة الحريري الأخيرة كان أدنى بكثير من المستوى المطلوب، وهذا الأمر هو مثار استغراب. إذ كان يتعيّن على الأحزاب الحاكمة أن توزّر نخبها في ظلّ الاهتراءات المتراكمة التي تحتاج إلى معالجات دقيقة ونوعية. أمّا ما يثير الاستغراب أكثر من تردّي النوعيات الوزارية، فهو استقالة جميع الوزراء من تصريف الأعمال بعيد استقالة الحريري من رئاسة الحكومة. قد تكون ريا الحسن وندى البستاني وحدهما تواصلان العمل في مرحلة تصريف الأعمال.

الحسن حاضرة في جلسات اللجان النيابية، لمناقشة ميزانية وزارة الداخلية، كما لو أنّ الحكومة باقية، أو كما لو أنّها وزيرة في الأيام الأولى لتعيينها. والبستاني التي يُفترض أن تكون في إجازة أمومة، أخذت إجازة من أمومتها، وقبعت على رأس وزارتها، في محاولة جديّة للحدّ من غطرسة الشركات المستوردة للنفط، التي تتحكم بالسوق مذ قرّر رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في العام 1994، انسحاب الدولة من قطاع النفط لصالح الشركات، على اعتبار أنّ الدولة تاجر فاشل.

منذ قرّر الحريري أن تمارس الدولة سياسة انكماشية حيال قطاع النفط، 12 اسماً تعاقبوا على حقيبة الطاقة، قبل أن تصل الحقيبة إلى يد بستاني. إلاّ أنّ أحداً من الوزراء الـ 12 الذين تولّى بعضهم حقيبة الطاقة أكثر من مرّة، لم يواجه كارتيل النفط، إمّا لأنّه شريك في أرباحه، أو لأنّه خائف من "وحوشه". ولكن "جميلة" الطاقة اتّخذت قراراً بمواجهة الاحتكار، عبر استيراد 150 مليون ليتر من مادة البنزين، فقرّر "وحوش" النفط ومَن خَلْفهم مِن "وحوش" السياسة، مواجهتها عبر الضغط لمنع حصول المناقصة.

في قصة "جميلة والوحش"، كان الوحش لطيفاً مع جميلة. وفي ختام القصة، تحوّل الوحش إلى شاب جميل بمجرّد قبول جميلة الزواج به. ولكن في قصة "جميلة" الطاقة و"وحوش" النفط والسياسة، لم يكن الوحوش لطفاء مع "جميلة". وفي ختام القصة لن تتجمّل وجوه هؤلاء الوحوش. ويبقى السؤال مع تأجيل فضّ عروض مناقصة استيراد البنزين إلى الإثنين المقبل، إفساحاً في المجال أمام شركات لاستكمال ملفاتها، بعد انسحاب معظم الشركات من المناقصة: هل ستنجح جميلة الطاقة في تخويف "وحوش" النفط والسياسة، أم أنّ هؤلاء سينجحون في تخويفها وتخويف اللبنانيين؟

يقول مصدر مقرّب من وزيرة الطاقة، إنّ الوزيرة الشابة تتعرّض لحرب شعواء مصدرها عدّة جبهات، ولكنّه يجزم بأنّه سيُسجَّل لها بأنّها الأنثى التي نجحت في ليّ ذراع الشركات المحتكرة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.