اللبنانيون يصنعون مستقبلهم.. وطرابلس لؤلؤة الاحتجاجات

د. فادي سعيد دقناش /

يبدو أن المطر الذي أطفأ بحر النيران في لبنان وأحرق الأخضر واليابس منذ أيام، لم ينتهِ، بل أبقى الجمر تحت الرماد في قلوب الشعب اللبناني الذي كان يُخفي بركاناً انفجر غضباً بوجه سلطة غير آبهة بحقوقه الفطرية.

هذا البركان لم تُفجّره ثورة الضريبة "الواتسابية"، وإنَّما هو تراكم عمره سنوات ـ بل عقود ـ من الذل والحرمان والفقر والتهجير القسري للشباب اللبناني، وهو تراكم للغضب نتيجة فُسوق الطبقة السياسية اللبنانية التي ركبت يوماً ما موجة التسوية منذ اتفاق الطائف، وجَثَت على قلوب اللبنانيين وعقولهم بوزنها "المافيوي" الحزبي ـ المذهبي الثقيل من دون رحمة  ولا شفقة، مُكَبّلةً أفواههم تارة وناسجةً أضاليل مذهبية وطائفية تارة أخرى، فخَلَقَت حالة من الـ"فوبيا" مع الآخر، واخترعت معادلات تعود إلى القرون الوسطى (6 و 6 مكرر ـ ابن ست وابن جارية ـ الغول الديموغرافي…).

لم يحرك معظم الشعب اللبناني ساكناً طيلة هذه الفترة بسبب قوة التخدير المحقون به؛ وبدأت الأزمات تلوح مع سلسلة الرتب والرواتب التي أُقرَّت بعشوائية غبية (عدم الدقة في احتساب تكلفتها بحيث فاقت 2.3 مليار بينما السلطة قدرتها بـ800 مليون) أو متعمَّدة (رشوة انتخابية)، فاتسعت الهوة بين موظفي القطاع العام والقطاع الخاص (وحتى بين القطاع العام نفسه)، دون أن تتم محاسبة اللجنة أو المسؤولين الذين أشبعوها دراسة وأذلّوا الموظفين (مع تربيح جميلة) أقلّه، وتدحرجت الأزمات مع زيادة لأقساط المدارس الخاصة، وزيادة للسلع الغذائية، والمس بحقوق المتقاعدين، وتطاول الدويلات على الدولة، من دُويلة المولدات الكهربائية إلى الأدوية والنفط والطحين وشركتي الاتصالات وصولاً إلى الصيارفة، ناهيك عن إذلال الناس في الطرقات لعدم وجود حل لأزمة المرور، وطوابير الذل والعار أمام مراكز المعاينة الميكانيكية، وزحمة في المطار، وإذلال المسافرين في مطارات العالم بحجة تعطل طائرة هنا وتأخر طائرة هناك تابعة لشركة الطيران الوطنية…

انفجر الشعب اللبناني اليوم بعد أن انتهى مفهول "إبر التخدير" وقرَّر عدم العودة إلى الوراء، وشهر سلاحه القوي المؤلف من اتحاد مكوناته وشرائحه الاجتماعية، فهو لم يعد يؤمن برجال السلطة الموجودين اليوم ولا بالنظام الطائفي القائم على المحاصصة الحزبية الزبائنية الذي كبَّله وجعل حياته جحيماً. هو اليوم يُطالب بنظام جديد يقوم على العدالة الاجتماعية ولا يفرق "بين ابن ست وابن جارية"، يُطالب برفع السرية المصرفية وإعادة الأموال المنهوبة التي يعترف بها رجال السلطة الذين يتقاذفون الاتهامات فيما بينهم، هو أيضاً يُطالب بقضاء عادل وبِزَج كل من انتهك المال العام في السجون… لم يعد يثق هذا الشعب بالطبقة الحاكمة، بل تجرأ لأول مرة على المساس بحرمة الزعيم "الإله ـ المقدس" وكفر به، ولم يجد سبيلاً للتعبير عن الغضب وتنفيس الاحتقان في صدره سوى بالنزول إلى الساحات والميادين وقال "الأمر لي"، فليس المُهم عنده أن تكون "ثورة" أم "اعتصاماً" أم "احتجاجاً"، بل المُهم رحيل السلطة بتركيبتها الطائفية القائمة.

وفي قراءة أولية للأحداث، يبدو بأنَّ مشهد الساحات هو مشهد عفوي، أقله حتى الآن، لا تحركه "أجندات" داخلية أو خارجية التي من الممكن أن تتقاطع مصالحها مع ما يجري. هي ساحات امتلأت بهمة شبابها الذي كان مهمشاً وعاطلاً عن العمل ويائساً من المستقبل، شباب نزل إلى الساحات ليقول "أنا المستقبل.. وأنا من سيرسمه وليس زعيم الآباء والأجداد"، فكان التعبير عنها بالمشاهد البريئة العفوية، بطريقتهم وبأسلوب عصرهم، فتُرجم غضباً وحقداً وشتماً لـ"الزعيم الإله" الذي جعل مستقبلهم دون أفق، وتُرجم أيضاً غناءً وفرحاً ورقصاً على أناشيد وطنية.

اليوم أعلن الشباب عدم اقتناعهم بـ"الورقة الإصلاحية" التي قدَّمها لهم رئيس الحكومة لأنَّها كانت تحت سقف توقعاتهم وآمالهم، وقرَّروا عدم العودة إلى الوراء ومواصلة احتجاجاتهم لحين تحقيق مطالبهم العادلة لبناء دولة المواطنة ودولة المؤسسات. يصرخ الشباب في الساحات "كلن يعني كلن"، ينادون بسلمية الاحتجاجات تحت سقف القانون، راجين بالتغيير وليس فقط بالإصلاح. جعلوا انتفاضتهم تدخل التاريخ، وأَسروا العالم بالطريقة العفوية في التعبير عن احتجاجهم. كالعادة هو اللبناني الخلاق والمبدع والفنان في إدارة الأزمات.

انتفضت الساحات، من صور وصولاً إلى أيقونة لبنان ولؤلؤة المتوسط طرابلس التي أظهرت أنَّها موجودة على خارطة الوطن، وأنَّها أُمُّ الاحتجاجات السلمية التي احتضنت كل من حضر إليها، بحب وكبرياء وشجاعة، وقالت لهم: "أهلاً وسهلاً بكل من يريد أن يصرخ صرخة حق دفاعاً عن الكرامة والشرف والحرية… أنا هنا… أنا المظلومة المقهورة المُبعدة المسجونة بالصورة النمطية البشعة التي وضعوني بها، كسرت قيودي لاحتضن الجميع في ساحة تشع نواراً إيماناً بمستقبل أفضل.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.