سيناريو ما بعد الانتخابات النيابية: ماذا يبقى من 8 و14 آذار؟

نورما أبو زيد

دخل البلد في مرحلة فرصة الأعياد، ودخل لبنان معها في استراحة سياسية، بعد مخاض طويل عاشه في الشهرين الأخيرين، بفعل أزمة رئيس الحكومة سعد الحريري أثناء "إقامته" في المملكة العربية السعودية، وتقديم استقالته الملتبسة من هناك، ولكن من المتوقع أن تعود الحماوة السياسية بعد الأعياد إلى ما كانت عليه سابقاً، خصوصاً وأنّ لبنان على مرمى أربعة أشهر ونصف من الانتخابات النيابية وفق قانون انتخابي جديد يعتمد نظام النسبية.

فالانتخابات النيابية المقبلة مرشّحة لأخذ لبنان نحو معادلة سياسية جديدة تضمّ قوى السلطة حصراً في بوتقة واحدة، تبدأ من التحالفات الانتخابية، وتنتقل بعدها إلى حكومة ما بعد الانتخابات التي لن يكون ممثلاً فيها إلاّ الذين سيفوزون بكتل برلمانية كبيرة في الانتخابات.

عملية تقاسم النفوذ ظاهرة من اليوم، ولكن يتوقّع أن تكون فاقعة في مرحلة التحضير للانتخابات، ومن ثمّ في مرحلة الانتخابات، وبعدها في مرحلة تشكيل الحكومة التي ستلي الانتخابات، إذ يُنتظر أن تذهب السلطة بأجنحتها الكبرى إلى الانتخابات النيابية يداً واحدة، وسيكون تحالفها خماسي الأضلاع، وأركان هذا التحالف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه السياسي، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري وفريقه السياسي، ورئيس الحكومة سعد الحريري وفريقه السياسي، و"حزب الله"، ورئيس "اللقاء الديمقراطي" وليد جنبلاط، وهذا يعني أنّ الحكومة المقبلة ستكون خليطاً من البرتقالي والأخضر والأزرق والأصفر والأحمر، أمّا الألوان السياسية الأخرى فستجد نفسها مضطرة في صفوف المعارضة، لا سيّما حزب "القوات اللبنانية" الذي كان مخططاً أن يتم عزله ووضعه خارج السلطة بعيد إفراج الرياض عن الرئيس سعد الحريري مباشرة، عبر إقالة وزرائه الثلاثة من الحكومة، ويبدو أنّ عدول أهل السلطة عن إقصاء وزراء "القوات اللبنانية" من الحكومة مردّه إلى عدم رغبتهم في تحويل رئيس "القوات" سمير جعجع إلى بطل سياسي في نظر جمهوره. ولذلك حبّذ أهل السلطة أن يتمّ الابتعاد عن خطوة العزل بضعة أشهر، خاصةً وأنّ التحالفات الانتخابية يمكنها أن تُفضي إلى النتيجة عينها من دون أن تتم استثارة شارع "القوات" بخطوة الإقصاء.

يقول المطلّعون على خطوط التحالفات التي بدأت بالارتسام، إنّه لن يكون سهلاً على القوى التي لن تدور في فلك تحالف السلطة أن تخرق لوائح السلطة الموحدة، حتى أنّ حزب "الكتائب اللبنانية" الذي من المرجّح أن يتحالف مع المجتمع المدني، لن يتمكّن بالتعاون مع هذه القوى من خرق لوائح السلطة إلاّ في شكل محدود جداً.

فوز لوائح أهل السلطة في الانتخابات النيابية على مساحة الأراضي اللبنانية، سيعني حكماً تقاسم السلطة لجبنة الحكومة التي ستتشكّل بعد الانتخابات، إذ لا يمكن وفق العرف اللبناني المعمول به لمن لا يتمثّل بكتلة نيابية وازنة أن يكون ممثلاً على طاولة الحكومة.

في المحصلة، قوى "8 آذار"، سوف تحصل على حصة الأسد في الانتخابات النيابية المقبلة وما بعدها، لأنّها تشكّل العصب الأساسي للتحالف الخماسي المتوقّع، والحريري سوف يكون "المخترق" الوحيد ممّا كان يُعرف بقوى "14 آذار" قبل انفراط آخر حلقة من عقدها. سوف يتم حفظ موقع الحريري بصفته زعيماً سنياً، ولكن سيعود سنّة "8 آذار" إلى لعب أدوار في الحياة السياسية، وعليه سيكون الحريري المرشّح الوحيد لرئاسة حكومة ما بعد الانتخابات.

أزمة الحريري أنهت عملياً ما كان يُعرف بـ "14 آذار"، لأنّها قضت على ما تبقّى له من حلفاء "آذاريين"، بعد القطيعة ما بين "تيار المستقبل" و"القوات اللبنانية" على خلفية اتهام الحريري لجعجع بالتحريض عليه في الرياض، والانتخابات النيابية سوف تكرّس تحليق "8 آذار" على كراسي السلطة، وانصراف كلّ أفرقاء "14 آذار" فيما خلا الحريري إلى صفوف المعارضة، وهذا يعني أنّ السلطة الجديدة المخمسة الأضلاع التي ستنشأ في شهر أيار المقبل، ستستعيد إلى حدّ معيّن النموذج الذي كان معتمداً قبل العام 2005، والذي كان مبنياً على التقاسم، حيث كان يتولّى حلفاء دمشق السياسة والأمن، بينما كان يتولى حلفاء الرياض المشاريع الاقتصادية، مع فارق بسيط اليوم، وهو أنّ حلفاء دمشق لن يكتفوا بالسياسة والأمن بل سيدخلوا على خطّ الاقتصاد أيضاً، بينما حلفاء الرياض سابقاً باتوا حلفاء حلفاء دمشق من دون أن يدخلوا على خط السياسة والأمن.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.