أسئلة لبنانية قلقة في العلاقة مع سوريا.. وملف النازحين و"الترانزيت"

جوزف قصيفي ـ

تحتّم  المتغيرات على الارض في سوريا، مقاربة مختلفة في العلاقة بين بيروت ودمشق. وتقول جهات دبلوماسية متابعة لهذا الموضوع، إنه، وفي ظل التطورات المتسارعة، ينبغي توحيد الرؤية الرسمية في ما يتصل بملف النازحين السوريين، وتشكيل لجنة حكومية تتولى مواكبة الجهود والمساعي التي يبذلها المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم بحرفية وكفاية عاليتين، من أجل وضع هذا الملف الشائك على طريق الحل، خصوصاً بعدما دخلت روسيا على الخط واستعدادها للا ضطلاع بدور ايجابي في هذا المجال. وتضيف هذه الجهات ان لعودة النازحين انعكاسات مهمة على الاوضاع الاقتصادية والامنية والاجتماعية، وتحرر البنى التحتية من الضغوط التي تثقل عليها وتؤثر سلباً في نوعية الحياة، فيتخفّف لبنان من الاعباء الديموغرافية والانسانية التي تعيق نموّه، لاسيما في حمأة الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها، وبلغت مستويات غير مسبوقة من التردي الذي أفرز جموداً وبطالة لم يشهد مثيلاً لهما في عز الحروب الكبيرة والصغيرة التي توالت عليه فصولاً تحت عناوين شتى ومسميات مختلفة.

بالتالي، فإنه لم يعد جائزاً أن ينبري غير طرف لمعالجة أزمة النزوح، لأن ذلك يوحي بأن هناك آراء متفاوتة حياله، فيما الواقع هو عكس ذلك تماماً. فالجميع يقر بأن وجود النازحين في بلد صغير المساحة ومحدود الامكانات، هو أمر غير طبيعي، وأنه من غير المقبول أن يستمر لبنان في دفع فاتورة  إقامتهم على أرضه من "اللحم الحي" بسبب خلافات القوى السياسية وتجاذباتها. وهي خلافات تتعلق بآليات حلّ هذا الملف وليس بالهدف، لأن ضرر بقاء النازحين يطاول جميع الفئات والمناطق من دون تمييز بين طائفة وأخرى ومنطقة ومنطقة. فلا يمكن أن تحل الازمة بـ" القطعة"، بل ان الحل ينبغي أن يكون في إطار خطة شاملة تأخذ في الاعتبار كل جوانب الصورة، لئلا يأتي المخرج مجتزأً، مستودعاً في ذاته بذور فشله.

من هنا يجب أن تتوحّد المرجعية وأن تتوافر كل وسائل الدعم للمبادرات  التي يفترض أن  تتقدم بها لطي صفحة هذا الملف. ولا ضير أن يكون هناك تواصل أوضح  مع المسؤولين السوريين، لأنه من دون هذا التواصل، لا أفق لحلٍّ يزيح عن كاهل لبنان هذا العبء. وعلم ان مشاورات تجري بكثافة، ترعاها جهات أممية ودولية وإقليمية وازنة، من أجل حثّ المسؤولين اللبنانيين على التفاهم حول الرؤية والآلية اللتين تساعدان على بلوغ هذا الهدف.

وفي سياق متصل، تبرز مسألة على قدر كبير من الأهمية، وهي تتعلق  بفتح معبر نصيب على الحدود السورية -الأردنية، وهو شريان حيوي لحركة الترانزيت يفيد منه لبنان لنقل إنتاجه الصناعي والزراعي الى العراق ودول الخليج. ومن شأن ذلك ان يقلص من خسائر القطاعات الانتاجية التي أصابها الجمود والكساد بسبب الحرب في البلد الجار، واغلاق  المعبر المذكور. وان عودة لبنان الى خريطة "الترانزيت"، كما شأنه في السابق، يحرك عجلة الاقتصاد وينعش غير قطاع ويوفر فرصاً لآلاف العاطلين من العمل. فدمشق ترفض ان تعود الشاحنات اللبنانية التي تمر فيها وتستخدم طريقها الدولية، وكأن  شيئاً لم يحصل منذ العام 2011. فهناك تدابير ورسوم جمركية وشروط على التصدير من قبل الحكومة السورية، ولم يعد الامر بالسهولة التي كان عليها قبل الاحداث. وان الواجب يقتضي ان يكون هناك تواصل بين حكومتي بيروت ودمشق. هل ان هذا الامر ممكن في ظل الانقسامات القائمة بين الافرقاء السياسيين داخل حكومة تصريف الاعمال، والتي يمكن ان تنسحب على الحكومة العتيدة؟ هل سيأخذ لبنان الرسمي المبادرة، فيحاور الدولة السورية، باسم كل لبنان للاتفاق على آليات التواصل والتنسيق؟ أو يمتنع عن ذلك تاركاً الحبل على غاربه لكل طرف ان يسعى من جهته لكي يظفر باتفاق يتولى تسويقه، فيما المطلوب رؤية موحدة وقرار واحد، بما يؤكد وحدة الموقف، لا ان يتصرف المسؤلوون، وكأن البلاد حرث لكل منهم، من خلال محاولة اسقاط نظرتهم على طريقة التعاطي مع هذا الملف. بينما الوقت يمر والخسائر تتراكم والفرص تضيع؟!.

آفاق ممكنة للحل؟

في ذروة التأزم السياسي والعجز عن تشكيل حكومة جديدة، تتوالى أحداث وتطورات في سوريا التي تربطها بلبنان حدود مشتركة وشبكة من المصالح المتداخلة، في حين يتعيّن على المسؤولين أن يكونوا في أقصى درجات التأهّب للإفادة من السانحة التي توفرها المستجدات، ولاسيما على مستوى قضيتي النزوح، وفتح العابر الحدودية باتجاه الاسواق التي تشكل له متنفساً ومدى حيوياً استراتيجياً. وعندما تكون مصلحة لبنان العليا في الدق، تتهافت كل الأسباب الاخرى، على أهميتها. بمعنى أن هذه المصلحة تتقدم على الخلافات مهما كانت درجتها. وبالتالي ان خطوة ما عاجلة، يجب أن تتخذ لبلورة موقف جامع ومشتركة بين الافرقاء.

واذا لم تبصر الحكومة النور قريباً، واستمر المعنيون بتشكيلها في سياسة عض الأصابع، فلا بد من إجراء احتياطي استثنائي بالدعوة الى اجتماع في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس ميشال عون وحضور رئيسي مجلسي النواب والوزراء نبيه بري وسعد الحريري ورؤساء الكتل النيابية، لوضع خريطة  طريق طارئة من أجل حلٍّ شامل وعاجل لمسألة النازحين، يبدأ بتوحيد المرجعية الرسمية المخولة بالتصدي لها والبت فيها، ووضع الأسس التفاوضية في ما يتعلق بتصدير الانتاج اللبناني الى العراق والخليج بعد فتح معبر نصيب. وقد يكون هذا الامر فاتحة لاعادة صوغ العلاقات اللبنانية – السورية في ضؤ التطورات الحاصلة، التي يتعين على الجانب اللبناني أن يحسن قراءتها، خصوصاً أن المنطقة مقبلة على أمر في غاية الاهمية، وهو ملف إعادة إعمار سوريا، وان لبنان مؤهل أكثر من سواه من البلدان للإفادة من الورشة المرتقبة في البلد الجار بسبب قربه الجغرافي، وقدرة رجال أعماله وشركات الهندسة والمقاولات على الانخراط بكفاية في هذه الورشة. مما يعني انه لا ينبغي ان ينطلق قطار الاعمار في سوريا فيما لبنان الرسمي منقسم حول مدى العلاقة مع حكومتها ونوعيتها.

ولا يمكن الاتكاء على العلاقة مع روسيا – على أهمية هذا الامر وضرورته ـ لأنه في لعبة المصالح، تصح قاعدة "من حضر السوق باع واشترى"، و"البراغماتية" ليست خطأ اذا كان الركون إليها يفضي الى ايجابيات تصب في خانة تعزيز الاقتصاد الوطني.

ان مدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم يحقق انجازات كبيرة على مستوى اعادة النازحين، ولكن انتاجيته تكون مضاعفة إذا حظي بحاضنة وطنية ورسمية جامعة تمكنه من التوسع في المبادرة وتحصنه بهامش أكبر، خصوصاً انه اظهر كفاية ومرونة وقدرة على ابتكار المخارج لأكثر القضايا المستعصية. اما بالنسبة الى اللجان التي شكلتها بعض الاحزاب والقوى وفي مقدمها "حزب الله" لتنظيم إعادة النازحين، فإن استمرارها في العمل مرتبط بقرار الدولة اللبنانية بالامساك بالملف بصورة نهائية وجادة لأنها لا تطمح الى الحلول محلها، كما انها لا تمتلك امكانات الدولة. مع تسجيل نشاط لافت للجهد الذي بذلته لجنة الحزب برئاسة النائب السابق نوار الساحلي. لكن ذلك كله لا يغني عن تعاطٍ مباشر ومسؤول من السلطات اللبنانية.

أسئلة تنتظر أجوبة

صورة الوضع الراهن، والتحديات التي أفرزها الواقع الجديد في سوريا، باتت معروفة وليست في حاجة الى تحليلات وتكهّنات، وليس ينقص إلا جدية التعاطي مع الملفات التي عادت إلى دائرة الضوء مجدداً، بعيداً من الحسابات السياسية، لكن ثمة أسئلة مطروحة لم تتضح الاجابة عليها بعد:

ـ هل للدولة اللبنانية القدرة على التحرك كفريق عمل واحد للتصدي لموضوعي النزوح و"الترانزيت"؟.

ـ هل ان الافرقاء اللبنانيين على جهوزية للفصل بين ما هو سياسي، وما هو حيوي ويتصل بمصلحة البلاد ككل، لدى مقاربة هذين الملفين؟.

ـ هل ثمة عوامل خارجية تكبل لبنان وتمنع عليه التواصل مع الدولة السورية، بغرض ابقائه منصة  لممارسة الضغط عليها وبعث الرسائل المشفرة وغير المشفرة؟.

ـ هل سيتمكن اللبنانيون، في ظل الصورة الضبابية التي تحكم العلاقة بين بيروت ودمشق، من خوض معترك الإعمار في سوريا والمغامرة بالاستثمار فيها، قبل أن تصحح هذه الصورة وتأخذ اطارها الطبيعي؟.

ـ هل سيكون لبنان فاعلا في إعادة إعمار البلد الجار من خلال شركات أبنائه وشراكاتهم مع مؤسسات عالمية، أو سيكون مجرد منصة، معبر، أو رقبة جسر لشركات عملاقة متعددة الجنسيات، فيقتصر دوره على ذلك، وعندها يكون حجم الافادة ادنى مما يتوقعه ويطمح اليه؟.

ـ ما هو دور المؤسسات الناظمة للعلاقة بين لبنان وسوريا، بدءاً بالمجلس الاعلى اللبناني – السوري وسفارة لبنان في دمشق وسفارة سوريا في لبنان؟ هل سيفعّل "المجلس الأعلى" أو سيتم اللجوء الى إيجاد أطر موازية تواكب المستجدات؟.

ـ هل للبنان القدرة على تنفيذ أي رؤية تحظى بتوافق قواه السياسية في موضوعي النازحين والترانزيت، في انتظار الملفات الاخرى التي لن تلبث أن تطل برأسها بقوة.

أسئلة، أسئلة، أسئلة، قد تصعب الاجابة عليها، وان كانت معروفة سلفاً، لأن تعقيدات الوضع السياسي التي تلف حبالها على عنق لبنان، بالكاد تجعله قادراً على التحرك.

مكتوب على هذا الوطن الصغير أن يمشي بين النقاط، وان يسير على أسنّة الرماح. المشي مسموح والمبادرة ممنوعة، وان سمح بها، فضمن حدود، مع تسجيل خروق لافتة وجريئة لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل في عدد من الموضوعات الرئيسة، ولاسيما موضوع النزوح السوري.

المطلوب حالياً ان ينتظم عقد السلطة الاجرائية، بتشكيل الحكومة العتيدة، لأن استمرار التعثّر لا يطاول مسؤولاً واحداً أو فريقاً واحداً أوأكثر، بل يطاول الجميع الذين سيتقاسمون مسؤولية الفشل، وهذا الأمر ليس في مصلحتهم ولا مصلحة لبنان بالطبع.

ان تبديل المشهد السياسي بات ضرورة ملحة اليوم قبل الغد، إذا اردنا ان نربح لبنان فعلاً.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.