مفارقات سياسية تُسقط شعارات المعارك الانتخابية

الاستشارات النيابية الملزمة التي أجراها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وكلّف بموجبها الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، بعد أن نال الرئيس المكلّف 111 صوتاً نيابياً من أصل 128 نائباً، أسقطت مفاعيل معارك الانتخابات النيابية واصطفافاتها وانقساماتها وخطاباتها.

الناخبون الذين صدّقوا الشعارات، كانوا مذهولين من التصويت في تلك الاستشارات: حبر الشعارات والخطابات الطنانة الرنانة ما زال واضحاً ولم يبهت لونه. صدى الاتهامات المتبادلة ما يزال يتردّد. ضجيج الماكينات الانتخابية ما زال في الآذان…

كل موجبات المعارك الانتخابية ومضامينها، صارت من الماضي، فما الذي تغيّر حتى غيّر المواقف؟ وما هي المفارقات التي يمكن تسجيلها على هامش الاستشارات؟

باستثناء كتلة نواب "الوفاء للمقاومة" والنواب: جهاد الصمد، أسامة سعد، جميل السيد، بولا يعقوبيان، فإن "سحر الوفاق" كان طاغياً على الاستشارات، فحصد الحريري 111 صوتاً من بينهم من تحولت معاركهم الانتخابية مع الحريري إلى خصومة شخصية.

تصويت كل من "التيار الوطني الحر" وحركة "أمل" و"اللقاء الديمقراطي" و"القوات اللبنانية" وحزب "الطاشناق" وبعض المستقلين، كان مفهوماً ومتوقعاً. لكن أن يحصل الحريري على أصوات أخصام في السياسة بلغت العلاقة معهم في مرحلة سابقة حدّ العداوة، فذلك كان من المفارقات التي سجلتها الاستشارات النيابية الملزمة.

كانت معظم التوقعات تشير إلى أن الحريري لن يتجاوز عتبة 90 صوت في الاستشارات لتكليفه، لكن المفاجأة أنه حصد 111 صوتاً، وكان يمكن أن ترتفع الغلّة ببعض الجهد.

أما في تلك المفارقات فيمكن تسجيل الآتي:

ـ موقف "جمعية المشاريع" ـ (الأحباش) بتسمية الحريري عبر النائب عدنان طرابلسي الذي خاض الانتخابات متحالفاً مع "حزب الله" في بيروت. علماً أن طرابلسي شارك في لقاء لنواب سنّة عند النائب عبد الرحيم مراد، ولم يكشف لهم موقفه بالرغم من سؤاله، ربما لأنه يدرك أن ترشيح "الأحباش" للحريري سيشكّل مفاجأة.

ـ موقف "الحزب السوري القومي الاجتماعي" بتسمية الحريري عبر إيداع الإسم عند رئيس الجمهورية، وكأن الحزب يدرك أن ترشيح الحريري لا يتناسب مع مسار مواقفه منه.

ـ موقف حزب "الكتائب" الذي يبدو أنه سيعتمد سياسة مختلفة عن المرحلة السابقة، بعد أن اكتشف أنها لم تؤمّن له رصيداً شعبياً يستطيع "الكتائب" صرفه في الانتخابات. ولهذا فإن النائب سامي الجميل رشّح الحريري بإسم "ما بقي" من نواب "الكتائب". فهل هذا مؤشر على استراتيجية جديدة للجميل تقوم على السعي لدخول الحكومة، بعد أن رفض دخولها قبل الانتخابات لاعتقاده أن المعارضة "مربحة"؟

ـ لم يعلن النائب عبد الرحيم مراد إسم مرشحه، لكنه أودع الرئيس ميشال عون إسم الحريري الذي بذل جهداً كبيراً لعدم فوز مراد بالمقعد النيابي. على الأرجح أن مراد لم يستطع النطق بإسم الحريري أمام الإعلام لهذا السبب، لكن حسابات رغبة التوزير كانت حاضرة في ترشيح الحريري، خصوصاً أن مراد يشعر أنه بحاجة لمقعد وزاري يعوّضه خسارة فرص تسميته لرئاسة الحكومة.

ـ النائب فيصل كرامي لم يكن على خلاف حاد مع الحريري، بل وكانت العلاقة بينهما متقدّمة في أوقات سابقة، لكن لم يكن متوقعاً أن يرشحه لتأليف الحكومة، ولذلك فإن هذا الترشيح جاء من ضمن "التكتل الوطني" الذي يتحالف فيه مع سليمان فرنجية، وهو لم يستطع إقناع شريكه جهاد الصمد بترشيح الحريري وإعطاء فرصة.

ـ لم يكن متوقّعاً أن تمتنع بولا يعقوبيان عن تسمية الحريري لاعتبارات كثيرة، وهي التي كانت حتى الأمس القريب محسوبة عليه وتعمل في مؤسسته الإعلامية وكان يميّزها، وقد منحها مقابلة السبق الصحفي أثناء إقامته الملتبسة في السعودية.

ـ كان لافتاً أن وزير الداخلية نهاد المشنوق يبتعد عن تيار "المستقبل" احتجاجاً على استبعاده عن التوزير بسبب قرار الرئيس سعد الحريري اعتماد مبدأ فصل النيابية عن الوزارة في تيار "المستقبل". وبعد أن رفض الالتزام بقرار "كتلة المستقبل" في انتخابات مجلس النواب وغادر المجلس لأنه يرفض "التصويت لغازي كنعان ولعودةِ الوصاية السورية"، في إشارة إلى نائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي، علماً أن كتلة "المستقبل" لم تقترع للفرزلي، اعتمد المشنوق الانفراد في حضوره ومغادرته قصر بعبدا للمشاركة مع "كتلة المستقبل" في الاستشارات النيابية الملزمة. فحضر لوحده وانضم إلى الكتلة في القصر وغادر لوحده أثناء تصريح النائبة بهية الحريري التي جدّدت التأكيد على مبدأ فصل النيابة عن الوزارة. والأرجح أن "زعل" المشنوق ستكون له ارتدادات لاحقة، إلا إذا نجح سعد الحريري في استيعاب ردة فعل المشنوق وفاء لمواقفه إلى جانبه.

ـ المفارقة الأكثر غرابة جاءت في موقف الرئيس نجيب ميقاتي بتسمية الحريري لرئاسة الحكومة تحت شعاري "المقتضيات الوطنية" و"الحفاظ على مقام رئاسة مجلس الوزراء ودوره الاساسي في المعادلة السياسية"، علماً أن ميقاتي كان في اليوم التالي للانتخابات النيابية، يوم الاثنين في 7 أيار، وقبل إعلان نتائج الانتخابات بشكل رسمي، قد استعجل إعلان ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة، بعد أن خاض مواجهة انتخابية شرسة ضد الحريري في مدينة طرابلس وانتهت بحصول ميقاتي على 4 مقاعد نيابية لا يوجد فيها أي سني غيره، بينما كانت المقاعد الثلاثة لماروني وأرثوذكسي وعلوي، في حين حصد الحريري 5 مقاعد نيابية سنّة في دائرة الشمال الثانية التي تضم طرابلس والضنية والمنية.

ومع تسمية ميقاتي وكتلته للحريري إلى رئاسة الحكومة يكون ميقاتي قد طوى المواجهة مع الحريري، خصوصاً أنه طالب بمقعد وزاري لكتلته النيابية، لينكشف السبب الذي يقف في خلفية ترشيح ميقاتي للحريري. ويبدو أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يقف خلف طبخة توزير النائب جان عبيد لتمثيل "الكتلة الوسطية المستقلة" التي يرأسها ميقاتي الذي يطرح إسم النائب نقولا نحاس عن الأرثوذكس كبديل عن عبيد في حال لم تتسع المقاعد الوزارية المارونية للنائب عبيد. وبذلك يكون ميقاتي قد تخلّى عن شعار المعارضة للحريري، في انتظار الظروف التي تسمح بمصالحة الحريري.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.