نقاش أميركي في الإنسحاب من "النووي الإيراني"

عقد في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" منتدى سياسي حول انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي مع إيران، وتحدّث فيه كل من پاتريك كلاوسون، كاثرين باور، ومايكل سينغ، حيث ناقشوا ردود الفعل على قرار الانسحاب، والموقف الأوروبي وتأثيره على فعالية القرار الأميركي وتقييم العقوبات وجدواها. وفي ما يلي ملخص ملاحظاتهم.

پاتريك كلاوسون

في إيران، كما في بلدان أخرى، غالباً ما تكون السياسة محلية. وعلى الرغم من عناوين الأخبار، لا يركّز الشعب الإيراني ولا النخب السياسية على «خطة العمل الشاملة المشتركة»، المعروفة بالاتفاق النووي، الذي قررت إدارة ترامب الانسحاب منه مؤخراً. وبالنسبة إلى النخب، تنطوي القضية الجوهرية على تحديد مَن سيخلف المرشد الأعلى الحالي، آية الله علي خامنئي، أو أي كيان سيقوم بذلك. وفي الواقع، عند وفاة خامنئي، سيصبح النظام عرضة للمعاناة. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن خامنئي لم يسمح ببروز أي خليفة له.

وفي الواقع، سيكون «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني المستفيد المحتمل، مما قد يقود الجمهورية الإسلامية نحو توجه أكثر عسكرياً وعلمانياً، على غرار النماذج القديمة التي وضعتها سوريا البعثية، والعراق البعثي، ومصر الناصرية. وبذلك يمكنها أن تنتقل من نظام سياسي أيديولوجي إلى نظام عسكري فاسد يدّعي التمسّك بالتزاماته الثورية – ويقوم بممارسة الاعتداءات في الخارج لتبرير وجوده. ويشير المقال الافتتاحي الذي نُشر مؤخراً على نطاق واسع تحت عنوان "دفاعاً عن رئيس عسكري"، إلى التأييد الشعبي لهذا التغيير في نموذج القيادة، كما توحي الهتافات في ألعاب كرة القدم بقبول واسع لهذا المفهوم.

لقد أصبح «الحرس الثوري الإسلامي» حالياً كياناً قوياً من خلال ممارسة قوته من دون كلل – وتحديداً توسيع نفوذ طهران في الشرق الأوسط. فسواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، بإمكان إيران أن تشير إلى سياسة النشاط الإقليمي باعتبارها أعظم نجاح لها منذ الثورة عام 1979. ومن مزايا نموذج «الحرس الثوري»، تكلفته المنخفضة نسبياً، لا سيّما عند مقارنته بالنموذج الأميركي في مساعدة الحلفاء. ففي العراق، يغطّي «الحرس الثوري» تكاليف وجوده من خلال الكسب غير المشروع وأنشطة أخرى تحقق له الكسب المادي.

وبناءً على ذلك، لن تؤدي العقوبات المفروضة على سوق النفط الإيراني إلى جعل طهران "تجثوا على ركبتيها" [تنحني طوعاً]. وعلى الرغم من أن العقوبات ستقلّص بالتأكيد الصادرات الإيرانية، إلا أنّ الارتفاع المحتمل في أسعار النفط سيكون له أثر تعويضي، وقد يترك الإيرادات على ما كانت عليه قبل العقوبات. ومع ذلك، فبصورة عامة، لا يزال الاقتصاد الإيراني ضعيفاً. ومع استمرار هبوط الريال ("التومان") الإيراني، وتحمل الإيرانيين العاديين العبء الأكبر، تَحوّل الاهتمام الشعبي إلى مشاكل البلاد المالية ومصادرها. ومن جهته، سعى «الحرس الثوري» إلى تحويل أي تركيز عن الفساد والمحسوبية المستشريَيْن، وهي اتهامات ردّدها أفراد معتدلون مثل الرئيس حسن روحاني. إلا أن إشراف روحاني نفسه على الاقتصاد، منذ أن أصبح رئيساً عام 2013، كان فاشلاً ولم يتمكن من الوفاء بوعوده. فبدلاً من أن تسهّل «خطة العمل الشاملة المشتركة» تحقيق مكاسب مالية، أدّى الفساد المحلي والتخبّط البيروقراطي إلى إحباط آمال النمو المالي والاستثمار الأجنبي. بالإضافة إلى ذلك، أضعفت الأزمة المصرفية المحلية الحالية ثقة الإيرانيين في قدرة قادتهم على إصلاح الضرر الاقتصادي.

وإجمالاً، ازداد نفوذ «الحرس الثوري» منذ عام 2013، في حين أخذ يتراجع تأثير المعتدلين أمثال روحاني. كما أن تدهور الاقتصاد سيؤدي إلى تقويض آمال الناس في التغيير من خلال الإصلاح البطيء، مما يقلل بدوره من احتمالات عودة إيران إلى طاولة المفاوضات.

كاثرين باور

على الرغم من أن «خطة العمل الشاملة المشتركة» لم تكن تذكرة ذهبية، إلا أنها منحت إيران فرصة للاندماج مجدداً في الاقتصاد العالمي. وعلى وجه التحديد، مكّنت إيران من الدخول مجدداً إلى سوق الطاقة وسمحت لها بالقيام بأعمال تجارية مع كيانات أجنبية ومؤسسات مالية تنخرط في "معاملات كبيرة" مع الكيانات الإيرانية المصنّفة – والعكس بالعكس. وفي الواقع، فمن منظور العقوبات، يشير الانسحاب الأميركي من «خطة العمل الشاملة المشتركة» إلى العودة إلى النظام الذي كان قائماً قبل التوقيع على الاتفاق النووي، وهو: حظر اقتصادي على الجمهورية الإسلامية.

وستعود بعض العقوبات إلى حيز التنفيذ بعد تسعين يوماً، ولكن بعد 180 يوماً، ستُفعّل جميع حالات الحظر التي تم رفعها وفقاً لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ويشمل ذلك الحظر على الطاقة (النفط والغاز)، وقطاع الشحن البحري، و"البنك المركزي الإيراني". وفي الوقت نفسه، سيتم مجدداً فرض عقوبات على نحو أربعمائة شخص وكيان إيراني. وفي حين تتمتع الإدارة الأميركية بقدر وافر من حرية التصرف، إلا أنها تواجه حالياً معضلة حول كيفية تنفيذ أحكام هذه العقوبات الرئيسية، خاصة فيما يتعلق بتفسير ما يعتبر "صفقة هامة" وشروط "تخفيض الإعفاءات بشكل كبير".

وفي نهاية المطاف، سيتعيّن اتخاذ قرار سياسي بشأن درجة الإنفاذ. وقد أعرب الرئيس ترامب أنه يريد ممارسة "أقصى قدر ممكن من الضغط" على النظام الإيراني، ولكن قد يكون من المنطقي تأخير التنفيذ أو إلغائه – أو ترخيص بعض الأنشطة. ومن شأن ذلك أن يبدي حسن النية السياسية مع نظرائه الأوروبيين ويتجنب الدمار الدبلوماسي، لا سيّما عندما لا يكون للتنفيذ القوي أثر ملحوظ على أهداف السياسات العامة.

وستتطلع الحكومات الأوروبية إلى التقليل من تداعيات الانسحاب الأميركي من «خطة العمل الشاملة المشتركة»، سواء بالنسبة لشركاتها الخاصة أو للحفاظ على المنافع لإيران. ولكن ليس أمامها سوى خيارات واضحة قليلة للقيام بذلك. على سبيل المثال، كانت التوجيهات الصادرة عن "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" واضحة، وهي أنه لن يتم العمل بالعقود التي وقّعت قبل إعادة فرض العقوبات، لأن ممارسة الأعمال التجارية بعملة غير أميركية سيبقى معرضاً للعقوبات الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، فإن العقوبة التي تخاطر بها المؤسسات المالية هي ليست مجرد غرامة مالية، بل من المحتمل فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي والدولار الأميركي.

وبالتالي، يجب على الحكومة الأميركية أن تسعى أولاً إلى توفير أقصى قدر من الوضوح في إعادة فرض هذه العقوبات. وفي حين قد يجادل البعض بأن ترك القوانين غامضة قد يجبر شركات معينة على "عدم المخاطرة" من خلال الانسحاب الكامل من السوق الإيرانية، إلّا أنّ هذا الاتجاه سيقوّض جهود الولايات المتحدة الرامية إلى جعل حلفائها يتفقون معها على هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يهدد ذلك قيام ردود فعل دولية تهدف إلى تجنّب التعامل كلياً مع النظام المالي الأميركي، مما قد يجعل العقوبات الأميركية أقل فاعلية عموماً على المدى البعيد. وعلى هذا النحو، يجب على وزارة المالية الأميركية أن تؤكد أيضاً على أن هذه المحظورات لا تهدف إلى معاقبة القطاع الخاص، وأن التعاون ضروري لتحقيق أهداف السياسة الأميركية.

وأخيراً، سيكون من المهم إدراج أساس سردي واضح للعقوبات الجديدة. وخير مثال على ذلك التصنيف الأخير لشبكة تبادل عملات قامت بشراء مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي بشكل مخادع لصالح «قوة القدس» التابعة لـ «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» لتمويل وكلائها الإقليميين. وكان هذا النهج القائم على الأدلة، والمرجح أن يبقى كذلك، أفضل فرصة للعمل المنسّق المتعدد الجهات.

مايكل سينغ

أثرت ثلاثة عوامل أساسية على انسحاب الرئيس الأميركي من «خطة العمل الشاملة المشتركة». ويتعلق العامل الأول بنقد جوهر الاتفاق نفسه، بدلاً من القلق بشأن امتثال إيران [لالتزاماتها بموجب اتفاقات الضمانات لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية]. وعلى وجه التحديد، شعر مسؤولون في الحكومة الأميركية بالقلق لأن الاتفاق النووي لم يفعل الكثير لمنع السلوك العدائي الإيراني، مثل تطوير قدرات الأسلحة النووية، لفترة قصيرة جداً. وفي المقابل، رأوا أن التخفيف من العقوبات الذي مُنح [لإيران] من خلال «خطة العمل الشاملة المشتركة» هو أمر واسع جداً ويستمر وقتاً طويلاً. بالإضافة إلى ذلك، حدّ الاتفاق من خيارات السياسة الأميركية المتاحة للتعامل مع سلوك إيران المتعلق بتطوير كل من الصواريخ البالستية ودعم القوى المعادية للمصالح الأميركية في جميع أنحاء المنطقة.

ثانياً، شعرت الإدارة الأميركية بالضعف الاقتصادي والسياسي الذي يسود النظام الإيراني في الوقت الراهن.

أمّا العامل الثالث فيتعلق بالإعلان عن استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية، والذي حدث قبل أربعة أيام من حلول موعد تجديد فترة الإعفاءات. وتمهيداً للمفاوضات المحتملة مع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى تكوين وجهة نظر مفادها أن الولايات المتحدة لن ترضى بأي اتفاق. وهنا، ربما كان يدور بخلد الإدارة الأميركية الرغبة في تكرار النموذج الكوري الشمالي مع إيران، وهو ممارسة "أقصى قدر ممكن من الضغط" مقترناً بالرغبة في الدخول في مفاوضات واسعة النطاق. و في الواقع، يتنافس القرار بشأن إيران مع كوريا الشمالية، ومع التعريفات على الفولاذ والألمنيوم، والعديد من أولويات السياسة الخارجية الأخرى في واشنطن.

وفي الحملات السابقة لفرض عقوبات على إيران، كانت الإدارات الأميركية قد اتبعت قدراً هائلاً من الدبلوماسية لضمان تنفيذ آليات الرقابة القائمة على أسواق رأس المال في إطار متعدد الأطراف والالتزام بها. ففي عام 2006، على سبيل المثال، تبنّت الولايات المتحدة سلسلة من قرارات مجلس الأمن الدولي التي وضعت الأساس الدبلوماسي للتنسيق مع الاتحاد الأوروبي إلى جانب روسيا والصين.

وستكون هذه المرة الأولى التي تسعى فيها واشنطن إلى فرض هذا النوع من العقوبات في ظل هذا الاختلاف الاستراتيجي الحاد مع حلفائها الدبلوماسيين. وسيركز الأوروبيون على وجه الخصوص على تهدئة طهران والإبقاء على الاتفاق معها، وبالتالي إعطاء إيران نفوذاً للتفاوض على اتفاق أفضل مع الأطراف الموقعة المتبقية.

ومن الآن فصاعداً، يجب على الولايات المتحدة أن تحاول إصلاح بعض الخلافات بينها وبين حلفائها الأوروبيين من خلال استمرار المحادثات مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا ("مجموعة الدول الأوروبية الثلاث") على وجه التحديد والجهات الفاعلة الأخرى – حتى وإن نتج عن ذلك تقديم بعض التنازلات بشأن العقوبات. ينبغي على واشنطن أيضاً أن تحدد الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» في سياق استراتيجية ذات نطاق أوسع تجاه إيران. ومن شأن اتباع نهج شامل، إلى جانب الدعم المقدم من "مجموعة الدول الأوروبية الثلاث"، أن يسمح بنوع من التنسيق الذي تحتاجه واشنطن لممارسة أقصى درجات الضغط على الجمهورية الإسلامية.

(*) 
ـ كاثرين باور هي زميلة "بلومنستين كاتس" في برنامج مكافحة الإرهاب في المعهد، ومستشارة سياسية بارزة سابقة لشؤون إيران في "مكتب تمويل الإرهاب والجرائم المالية" التابع لـ "وزارة المالية" الأميركية. 

ـ پاتريك كلاوسونهو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في المعهد، ومؤلف الدراسة التي صدرت مؤخراً باللغة الانكليزية بعنوان، "القضايا التكتيكية المحيطة بالانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران". 

ـ مايكل سينغهو زميل أقدم في زمالة "لين- سويغ" والمدير الإداري في المعهد، وقد شغل منصب مدير أقدم لشؤون الشرق الأوسط في "مجلس الأمن القومي" الأميركي في الفترة 2005 - 2008. 
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.