لبنان ـ السعودية: الأزمة طويلة!

ليلى نقولا: الأمن ممسوك وقطع العلاقات التجارية ليس من صالح المملكة

أمين قموريّة: لا رغبة للبنانيّين برفع سقف المواجهة.. والخطر في الضّغط الاقتصادي

تحقيق: مريم مالك

زهرةُ عودة رئيس الحكومة "المُكره على الاستقالة" سعد الحريري إلى ربوع الوطن يكاد ينفذ صبرها ولم تنفذ أوراقها بعد. "سعد راجع.. مش راجع..  راجع.. مش راجع.. راجع…"، وبين احتمال العودة وعدمها تكرّ سبحة الانتظارات والتّحليلات، ومعهما سبحة تبريرات تيار "المستقبل" حول القرار المفاجئ وغير المتوقّع، والخارج عن إطار الظروف المحيطة بالواقع السّياسي اللّبنانيّ.

من الممكن أن تتحقّق العودة المحتملة التي وعد بها الرئيس الحريري ولكنّها ستكون شكليّة مؤقّتة، أمّا امكانيّة العودة إلى الحياة السّياسيّة فهو احتمال مستبعد وفق ما تشير إليه التّحليلات السّياسيّة. فسيناريو الأيّام المقبلة لا يكاد يخرج عن احتمالين رئيسيّين: العودة وتأكيد الاستقالة، أو عدم سماح المملكة بعودته وإغراق لبنان بأزمة سياسيّة مجهولة المعالم. الاحتمال الأوّل يكاد يكون الأقرب إلى التّحليل السّياسي ربطًا بواقع هزيمة مخطّط السّعوديّة من جهة وبالضّغط الدّولي عليها من جهة أخر.

مؤقّتًا: الحريري عائد إلى لبنان لمغادرة الحياة السياسيّة

في هذا السّياق تشير الأستاذة في العلاقات الدّوليّة والمحلّلة السّياسيّة الدكتورة ليلى نقولا إلى أنّ "تباشير هزيمة السّعوديّة بدأت مع إفشال مخطط تقويض الاستقرار اللّبناني، وستكتمل مع عودة الرّئيس الحريري إلى لبنان"، مؤكّدةً أنّ "أقصى ما ممكن أن تفعله السّعوديّة للحدّ من خسائرها هو الضّغط على الحريري بأن يقوم بتقديم استقالته مجدّدًا بعد العودة إلى لبنان ويحوّل حكومته إلى حكومة تصريف أعمال، وأن تدفع المستقبل إلى أن لا يشارك بأي حكومة قبل أن يفرض شروط معيّنة تحدّ من دور حزب الله ويضع العصي في الدّواليب في تشكيل أي حكومة جديدة"، متابعةً: "ولكن المهزوم لا يستطيع ن يضع شروطًا".

نجاح التّسوية السّياسيّة اللّبنانيّة تكاد تكون القشّة التي قصمت ظهر العلاقات بين السعوديّة والرّجل الأوّل لها في لبنان، فأرادت معاقبته على تقاربه مع المحور الخصم. هذا ما ألمح إليه الكاتب والمحلّل السّياسيّ أمين قموريّة إذ اعتبر أنّ  السّعوديّة "خاب أملها برجل السّعوديّة الأوّل في لبنان، فهي ترى أنّ التّسوية التي شارك بها الحريري لا تحقّق مصالح تيار المستقبل وبالتّالي مصالحها، بل تحقّق مصلحة الأطراف الأخرى وبالتّحديد حزب الله"، معتبرًا "أي تسوية جديدة لن تقوم بشروط جديدة لصالح السّعوديّة، والطّرف الآخر لن يقبل بشروط المملكة وهنا تكمن الأزمة، وعليه وإن عاد الحريري، فسيعود ليؤكّد استقالته ومغادرة العمل السياسي إلى فرنسا".

خط أحمر دولي يحمي الإستقرار

هاجس وقوع ضربات أمنيّة يثير قلق الشّارع اللّبناني منذ خروج الحريري ببيان استقالته "المشكوك بها" من السّعوديّة. إلّا أنّ التطوّرات الأخيرة استبعدت احتمال وقوع محاولات لزعزعة الأمن بعد امتصاص الشّارع اللّبناني للأزمة في أوج اشتعالها. يؤكّد قموّريّة أنّه "ليس هناك أي توجّه ورغبة لرفع سقف المواجهة في الشارع اللبناني إلا بالكلام السّياسي، والشارع اللبناني امتصّ الازمة"، وتوافقه على الأمر نقولا التي اعتبرت أنّ "موضوع الضّربات الأمنيّة بات خارج النّقاش في هذه الفترة، فالخطر من امكانيّة وقوع مشاكل أمنيّة كان وارداً في أول 48 ساعة، وكان هناك خوف من وقوع تفجيرات أو تحريك المخيّمات، أو بعض المشاكل التي قد يقوم بها غاضبون بسبب استقالة الحريري من السّعوديّة. أمّا اليوم، فلبنان امتصّ الأزمة بفعل خيارات واستشارات رئيس الجمهوريّة ميشال عون، وتبيّن أنّه ليس هناك من هو مستعدّ في السّاحة اللّبنانيّة للدّخول في أجواء أمنيّة غير مستقرّة"، مؤكّدةً "الخيارات أمام السّعوديّة لم تعد كبيرة، والضّغوط الدّوليّة باتت كبيرة جدًّا، وظهر لبنان محصّن، والسّعوديّة ليس لديها ما تقوم به للحدّ من خسائرها إلًا الضّغط على تيّار المستقبل".

وحول التّهديدات المتكرّرة تقول نقولا: "لا أتصوّر أنّ هناك توتّراً أمنياً وعدم استقرار على لبنان، ليس لأن ابن سلمان واعٍ، أو لأنّ سياسة السّعوديّة واعية، بل لأنّ هناك خطّاً أحمر دولياً حول استقرار لبنان وضعته بالأساس الولايات المتّحدة الأميركية إلى جانب الأوروبيّين. ولو لم يكن هناك خط أحمر دولي كان بإمكان المملكة العربيّة السّعوديّة وغيرها من الدّول تفجير السّاحة اللّبنانيّة خلال الحرب السّوريّة للضغط على حزب الله للعودة من سوريا"، مؤكّدةً أنّ "الاستقرار اللّبناني ممسوك ومتماسك بفضل تمكّن القوى الأمنيّة والجيش اللّبناني من القضاء على البؤر الإرهابيّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ وعي القوى الأمنيّة والحرب الاستباقيّة التي قامت بها مخابرات الجيش ومخابرات القوى الأمنيّة الثّانية، بالإضافة إلى تفكيك الخلايا الارهابية النائمة والحرب ضدّ الارهاب في جرود عرسال والمداهمات التي قامت بها في مخيمات النازحين، كلّها عمليّات قلّصت من احتمال وقوع عمليّات انتحاريّة".

ورقة الضّغط الاقتصادي: هل تثقل كاهل اللّبنانيّين؟

يتّفق قمّوريّة مع استبعاد احتمال وقوع عمليّات انتحاريّة بعد تجاوز لبنان للمرحلة السّاخنة بهدوء وحكمة. الخطر الأكبر باعتقاده يكمن في احتمال وقوع لبنان تحت مطرقة الضّغط الاقتصادي السّعودي.

في هذا الصّدد يشير قموريّة إلى أنّ "السّعوديّة قد تحرّض على طرد لبنان من جامعة الدّول العربيّة، كما أنّها قد تتخذ خطوات اقتصاديّة تصعيديّة بحق لبنان على شاكلة الخطوات التي وقعت على القطريّين، مثل ترحيل اللّبنانيّين الموجودين في المملكة وبيع ممتلكاتهم داخل البلد"، الأمر الذي استبعدته نقولا مؤكّدةً أنّ السّعوديّة "لو كانت تستطيع الضّغط على لبنان اقتصاديًّا في وقتٍ سابق لفعلت".

وإذ أشارت نقولا إلى أنّ "لبنان استوعب أزمة الضّغط على الدّولار وتخطّاها"، تلفت إلى أنّ "الودائع الخليجيّة بشكل عام لا تشكّل إلّا 2% من اجمالي ودائع الخزينة، واغلب الودائع هي داخليّة. أما بالنّسبة لامكانيّة وقف العلاقات التّجاريّة مع لبنان، فالسعوديّة ودول الخليج ليس من مصلحتها أن تقطع هذه العلاقات التّجاريّة لأنّ الميزان التّجاري بين لبنان والسّعوديّة هو عاجز لمصلحة دول الخليج، إذ أنّ لبنان يصدّر إلى دول الخليج بحوالي 600 مليون دولار ويستورد بحوالي مليار و300 مليون، أي أنّ قطع العلاقات التجاريّة بين لبنان ودول الخليج يضرّ الخليجيّين أكثر مما يضرّ اللّبنانيّين".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.