من يفوز بالمقعد الماروني في طرابلس؟

** خضر طالب **

بينما يحتدم النقاش في طرابلس حول "سجل نفوس" المرشحين عن المقعد الماروني في طرابلس، بدا أن هذا النقاش وكأنه يدور في حلقة مفرغة، لأن جميع المرشحين هم من خارج المدينة، حتى ولو كانت لهم علاقات سياسية واجتماعية فيها.

لكن اللافت أن المعركة على هذا المقعد صارت مفتوحة بالكامل على كل الاحتمالات، خصوصاً أن أحداً من المرشحين لا يمتلك مسبقاً أرضية شعبية خاصة به تمنحه الصوت التفضيلي الذي يؤمّن له الفوز بهذا المقعد.

أما الحملات الانتخابية، فلم تستطع إلى اليوم تأمين "مزاج شعبي" يحمل أي من المرشحين إلى ساحة النجمة، بالرغم من أن حاجة أي من المرشحين إلى الفوز لا تحتاج لأكثر من بضعة آلاف من الأصوات، وهو ما يجعل المنافسة على هذا المقعد محتدمة جداً.

المتنافسون على المقعد الماروني في طرابلس هم ستة مرشحين منضوين في اللوائح، حيث أن لائحتين تركتا هذا المقعد شاغراً، لكن المنافسة الجدية هي بين مرشحين اثنين: جان عبيد على لائحة "العزم"، وجورج بكاسيني على لائحة "المستقبل". لكن هناك فرصة "معقولة" لدخول المرشح طوني ماروني من لائحة "قرار الشعب" إلى المنافسة.

وفي حين تعمل ماكينة "العزم" على الترويج بأن مرشح "المستقبل" جورج بكاسيني هو من خارج طرابلس، فإنها تحاول القفز فوق حقيقة أن مرشحها جان عبيد هو أيضاً من خارج طرابلس، وهو لم يعمد طيلة السنوات الماضية إلى فتح مكتب له في طرابلس وبقي في قصره في جبل تربل ـ قضاء زغرتا، وبذلك يتساوى مع بكاسيني الآتي من قضاء البترون.

عملياً، فإن المقعد الماروني في طرابلس لم يشغله طرابلسي ولا مرة، منذ أن استحدث هذا المقعد في العام 1992 في أول انتخابات نيابية بعد اتفاق الطائف، وذلك بعد أن جرى تعيين عدد من النواب في العام 1991 لاستكمال عديد المجلس النيابي الذي كان فقد الكثير من أعضائه، ويومها جرى تعيين جان عبيد عن المقعد الماروني في الشوف مكان الرئيس الراحل كميل شمعون، ثم عاد وفاز عن المقعد الماروني في طرابلس عبر لائحة محدلة، وتكرر الأمر في دورتي انتخاب 1996 و2000.  في العام 2005 شغل المقعد الماروني في طرابلس الياس عطاالله في إطار توزيع الحصص النيابية لقوى 14 آذار آنذاك، وتكرّرت التسوية في العام 2009 حيث شغل المقعد الماروني في المدينة سامر سعادة.

وعندما بدأ النقاش في القانون الانتخابي، جرت محاولات حثيثة لنقل المقعد الماروني من طرابلس إلى البترون، على قاعدة أن عدد الناخبين الموارنة في طرابلس هو بحدود 5500 ناخباً فقط، إلا أن جمع طرابلس مع المنية والضنية في دائرة واحدة أضاف نحو 7500 ناخب ماروني من المنية والضنية ليصبح عدد الناخبين الموارنة في هذه الدائرة حوالي 13 الف ناخب.

لكن المفارقة ان أحداً من موارنة القضاء لم يتقدّم بترشيحه عن هذا المقعد، على اعتبار أن الناخبين الموارنة في القضاء صاروا شركاء في هذا التمثيل، ولذلك اقتصرت الترشيحات الرئيسية على جان عبيد من قضاء زغرتا وجورج بكاسيني من قضاء البترون.

وفقاً لهذه الوقائع، يبدو ان فوز عبيد أو بكاسيني هو رهن عاملين أساسيين:

ـ الأول، القرار السياسي من الرئيس نجيب ميقاتي أو من الرئيس سعد الحريري بالفوز بهذا المقعد.

في هذا الصدد، يبدو أن ميقاتي "محشور" في توزيع أصواته على باقي المرشّحين، وخصوصاً على مرشّحه الأرثوذكسي نقولا نحاس الذي يعتبر ميقاتي أن خسارته المعركة تعني أنه خسر شخصياً الانتخابات، لأن نحاس هو مرشّحه الأول والرئيس على اللائحة، وهو يبذل جهده لتأمين فوزه من خلال تحويل جزء من أصواته التفضيلية إلى نحاس الذي لن يستطيع الفوز من دون هذه الأصوات.

اما الحريري، فيبدو أكثر راحة في الاختيار، خصوصاً أن المرشحين الرئيسيين على لائحة "المستقبل" يستطيعون الفوز، وتحديداً بالنسبة للوزير محمد كبارة الذي لديه شخصياً قاعدة شعبية عريضة، والنائب سمير الجسر الذي يلقى دعماً من محازبي تيار "المستقبل". ومع الدعم القوي الذي تلقاه الحريري من النائب محمد الصفدي بتجيير أصواته للائحة "المستقبل"، يدرس الحريري خيار الفوز بمرشح من الأقليات من بين المقاعد الثلاثة: الماروني والأرثوذكسي والعلوي. وفي حال قرر الحريري "كسر" ميقاتي، فإنه قد يلجأ إلى تجيير جزء من أصوات "المستقبل" لمرشحه الأرثوذكسي نعمه محفوض، لكن احتمال أن يلجا الحريري إلى الفوز بالمقعد الماروني يبدو متقدّماً لأنه لا يحتاج إلى عدد كبير من الأصوات، بخلاف المقعد الأرثوكسي والمقعد العلوي اللذين تحتدم المعركة عليهما.

ـ أما العامل الثاني الذي سيكون له تاثيره القوي في الفوز بالمقعد الماروني، فهو "الإنفاق" الانتخابي. ويبدو أن جان عبيد بدأ باعتماد هذا الخيار، في حين أن بكاسيني ما زال يعتمد على ماكينة تيار "المستقبل" وما يمكن أن تؤمّن له من صوت تفضيلي. لكن خيار الإنفاق لـ"استمالة" الصوت التفضيلي سترتفع حظوظه مع اقتراب موعد الانتخابات، لأنه لا يبدو أن ميقاتي سيضحّي بمرشحه نقولا نحاس من أجل جان عبيد، فضلاً عن أن ميقاتي يريد الحصول على صوت تفضيلي مرتفع ولن يغامر بتوزيع أصواته التفضيلية على باقي المرشحين، لأن منح اي مرشّح جزءاً من أصواته التفضيلية سيؤدي إلى مشكلة داخل اللائحة بين أعضائها لأن ميقاتي يكون قد فضّل مرشّحاً على آخر بمنحه أصواتاً تفضيلية. وبالنسبة لبكاسيني، فإن قرار الإنفاق ينتظر التمويل الذي يستطيع من خلاله "استمالة" الصوت التفضيلي لصالحه.

لكن حسابات اخرى قد تقلب كل الموازين، فيخرج كل من عبيد وبكاسيني من المنافسة في حال حصلت إحدى اللوائح الأخرى على حاصل انتخابي، خصوصاً "لائحة قرار الشعب" التي تضم مرشّح "التيار الوطني الحر" طوني ماروني، بحيث يكون اكتمل توزيع مقاعد السنة والعلوي والأرثوذكسي فتحصل هذه اللائحة على المقعد الماروني في حال حصلت على حاصل انتخابي!

صحيح أن هذه الاحتمالات ضعيفة، لكنها غير مستحيلة، وبالتالي هذا سيشكل محفّزاً للمرشحين عبيد وبكاسيني لرفع نسبة الصوت التفضيلي الذي يريدون الحصول عليه.

في مطلق الأحوال، سيكون المقعد الماروني في طرابلس عرضة لمنازلات متعددة، بحيث ترتفع أسهم هذا المرشح او ذاك بين يوم وآخر، خصوصاً في ظل إدارة الناخبين ظهورهم للمعركة على هذا المقعد.. إلا إذا كانت هناك "محفّزات" ترفع حرارة المعركة على هذا المقعد.. ولو إلى درجة التدفئة فقط.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.