كيف تنظر إسرائيل إلى المساعدات العسكرية الأميركية للجيش اللبناني؟

•في مطلع شباط/فبراير 2018 جددت الإدارة الأميركية التزامها بأمن لبنان واستقراره. وضمن هذا السياق، جرى التشديد على أن السلاح والتدريبات المقدمين إلى الجيش اللبناني هما بهدف تطوير قدراته القتالية، من أجل المحافظة عليه كقوة وطنية ودرع حماية في مواجهة جهات متطرفة وإرهابية. وكرر ديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية الأميركي في المؤتمر السنوي الذي عقده معهد دراسات الأمن القومي مؤخراً، أن الإدارة الأميركية تنوي الاستمرار في جهودها الرامية إلى دعم العناصر الأمنية الرسمية في الدولة، وخصوصاً الجيش اللبناني. وفي المقابل، ادّعى السفير نيتان سالس المسؤول عن محاربة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية في المؤتمر عينه أن الجيش اللبناني هو أداة في يد حزب الله ولا فائدة من تعزيز قواته.

•منذ سنة 2006 قدمت الولايات المتحدة مساعدة إلى الجيش اللبناني بما يتجاوز 1.6 مليار دولار. وفي الأشهر الأخيرة توسعت المساعدة التي وصل جزء منها إلى لبنان، وبين ما تضمنته 6 طائرات من طراز (Super Tucan A-29) خفيفة وهجومية للقيام بدوريات، و32 ناقلة مدرعات من طراز (برادلي M2A2)، وطوافات هجومية خفيفة (MD530G)، وست طائرات من دون طيار من طراز (Scan Eagle unmanned aerial vehicles). وبالإضافة إلى ذلك، يوجد في لبنان عناصر قوات خاصة أميركية، ومستشارون عسكريون للتدريب.

•من جهة أُخرى، تحدثت وسائل إعلام روسية مؤخراً عن أنه طُلب من وزارة الدفاع الروسية البدء بمحادثات مع نظيرتها اللبنانية، من أجل توقيع اتفاق تعاون بين روسيا ولبنان. ومن المفترض أن يتضمن الاتفاق فتح موانىء بحرية وجوية لبنانية أمام السفن والطائرات العسكرية الروسية. وبالإضافة إلى ذلك تبدي روسيا اهتمامها بتقديم المساعدة للجيش اللبناني بالتدريبات وبالعتاد العسكري.

•السياسة الأميركية تجاه لبنان ترى في مواصلة تعزيز الجيش اللبناني خطوة حتمية من خلال تقديم الدعم إلى مؤسساته، وتركّز على رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي قام بزيارة رسمية إلى واشنطن في تموز/يوليو، التقى خلالها الرئيس ترامب. وتجدر الاشارة إلى تشديد الإدارة على أن المساعدة العسكرية للجيش اللبناني لا تشكل تهديداَ للقوات الإسرائيلية في حال حدوث مواجهة، وأن الأسلحة التي تقدمها لا تغيّر موازين القوى بصورة جوهرية.

•وعاد وزير الخارجية الأميركية الذي قام مؤخراً بزيارة هي الأولى له إلى بيروت منذ عدة سنوات، فشدد على معارضة الإدارة الأميركية لحزب الله، لكن يبدو أنه خلال لقاءاته التي شملت أيضاً رئيس الجمهورية ميشال عون (حليف حزب الله) واجه الأميركيون واقع أن الحزب شريك في الحكومة، و يوجد في مجالات عديدة تطابق في المصالح بينه وبين موقف لبنان الرسمي. يبرز هذا التطابق في المصالح أيضاً في الجدل الدائر بين لبنان وإسرائيل بشأن قضايا الحدود البحرية وتأثيرها في مخزون الغاز في البحر المتوسط.

•تتعارض تظرة إسرائيل إلى الموضوع تعارضاً حاداً مع وجهة نظر الإدارة الأميركية. ويكرر وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان ويشدد على أن “الجيش اللبناني خسر استقلاليته حالياً وأصبح وحدة إضافية في منظومة حزب الله، ولذا، بالنسبة إليه، تشكل البنية التحتية للجيش اللبناني، وللدولة اللبنانية، والبنية التحتية لحزب الله، كلاً واحداً”. وفي الواقع، توجد دلائل كثيرة، بما فيها تلك التي ظهرت خلال سنة 2017 ، على التعاون بين حزب الله والجيش اللبناني، من بين أمور أخرى في المجال العملاني ضمن إطار العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية على الحدود اللبنانية – السورية، وأيضاً خلال حوادث وقعت على الحدود بين إسرائيل ولبنان.

•تعتبر سياسة الإدارة الأميركية المحافظة على استقرار لبنان هدفاً مهماً، وهذا هو رأي مصادر عسكرية، وخصوصاً في قيادة CENTCOM [القيادة المركزية الأميركية] فيما يتعلق بمساهمة الجيش، ولو المحدودة، في محاربة العناصر الإرهابية التي تشكل في رأيهم وزناً مضاداً في وجه حزب الله. وتطرح هذه المواقف بحدة مسألة: هل ستحصل إسرائيل على الدعم المطلوب من الولايات المتحدة، عند نشوب مواجهة، لتحقيق تهديداتها التي تعتبر فيها “حزب الله ولبنان شيئاً واحداً”، أم بدلاً من ذلك، ستعمل الإدارة كما في الماضي على منع إسرائيل من أن تضرب بشدة البنية التحتية للدولة وللجيش اللبناني، وتمتنع عن فرض الفيتو في مجلس الأمن.

•إن الفجوات بين السياسة الأميركية وبين الرسائل التي تتصاعد في إسرائيل تفرض تحليلاً للنتائج الإيجابية والسلبية الناجمة عن الموقف الأميركي، وإيجاد جواب على مسألة: ما هي السياسة التي يجب أن تتبناها إسرائيل في مواجهة الإدارة سعياً لتأمين مصالحها؟

•إن بلورة سياسة شاملة أمر مهم، في الوقت الحالي، لأن الإدارة تظهر استعدادها للتوسط بين إسرائيل ولبنان في مسائل خلافية، وأيضاً لأنه من المحتمل أن توسع روسيا تدخلها في لبنان.

اعتبارات سلبية

– قرار مجلس الأمن 1701 الذي اتُخذ بعد حرب لبنان الثانية، ويشكل أساساً لقرارات مساعدة الجيش اللبناني، جرى تطبيقه جزئياً من خلال انتشار الجيش اللبناني في الجنوب اللبناني. ومع ذلك لا يزال حزب الله يشكل القوة العسكرية الأساسية، ولم تفرض الحكومة اللبنانية بواسطة الجيش اللبناني سيادتها على كامل أرجاء الدولة، ولم تُطبق القرارين الدوليين 1559 و1701 بتجريد الميليشيات من سلاحها.

– يوجد تعاون وثيق بين الجيش اللبناني وبين حزب الله. وبناء على ذلك، يجب أن تكون فرضية العمل أن وسائل القتال التي تصل إلى الجيش اللبناني ستجد طريقها إلى الحزب. وهو ما يعني أن كل مساعدة للجيش اللبناني يمكن أن تقوّي قدرات حزب الله العسكرية.

– المنظومة السياسية وعملية اتخاذ القرارات في لبنان هما تحت تأثير حزب الله. ونتيجة ذلك، فإن جدول الأعمال في لبنان يحدَّد في أغلبيته وفق مصالح الحزب التي تخدم الأهداف الإيرانية.

– لا تعمل السلطات اللبنانية مطلقاً من أجل منع حزب الله من تعزيز قدراته العسكرية، ولا تتخذ خطوات لمنعه من نشر منظومة صواريخ وقذائف أرض- أرض موجهة لمهاجمة إسرائيل، بما في ذلك النشاطات من أجل تحسين دقة الإصابة لهذه المنظومة.

اعتبارت ايجابية

– يبدو أن التقدير الأميركي بأن "الجيش اللبناني ليس وحدة واحدة، وأن هناك أطراف داخله تعارض حزب الله أو على الأقل تعارض سياسة الحزب"، صحيح. وعلى هذه الخلفية فإن قرار منع المساعدة يمكن عملياً أن يُضعف الأطراف المعارضة للحزب.

– الاستمرار في تعزيز قوة الجيش اللبناني يقوّي الحجة بأنه هو من يتحمل مسؤولية كبح حزب الله، وإذا لم يفعل ذلك سيتحمل النتائج. من جهة أُخرى، إهمال الجيش اللبناني يمكن أن يدفعه أكثر نحو أحضان حزب الله، وبالتأكيد سيضعف تحمله لمسؤولياته.

– ثمة شك في أن منع حصول الجيش اللبناني على العتاد العسكري سيُضعف حزب الله، بينما تزويد الجيش بهذا السلاح لا يشكل مساعدة مهمة في تعزيز قوة حزب الله.

ـ قرار الإدارة الأميركية بالتخلي عن سياستها المتعلقة بالجيش اللبناني سيزيد من صورتها “كخائنة” لحلفائها، وستكون النتيجة المحتملة للتخلي عن الساحة تعزيز مكانة “حزب الله” بصفته “درع لبنان”.

– يمكن أن يدفع أي انسحاب أميركي لبنان والجيش اللبناني إلى توثيق علاقتهما بروسيا.

الأهداف الإسرائيلية

– تقليض النفوذ الإيراني في لبنان.

– منع توسع سيطرة حزب الله في لبنان وتطوير قوته العسكرية.

– تعزيز مصلحة السلطات والجمهور في لبنان في منع حزب الله من التحرك ضد إسرائيل.

– التاثير في الإدارة الأميركية كي تستخدم المساعدة للبنان وللجيش اللبناني لتعزيز فهم الثمن الذي سينجم عن مواجهة مع إسرائيل.

– إذا وقعت مواجهة عسكرية واسعة بين إسرائيل ولبنان، من المهم في نهايتها وجود قوة مسؤولة ومستقرة داخل لبنان غير حزب الله.

توصيات

تصرّ الإدارة الأميركية على تقديم المساعدة إلى الجيش اللبناني كجزء من سياستها للمحافظة على المؤسسات الشرعية في لبنان خوفاً من التدهور نحو عدم الاستقرار. وبناء على ذلك، فإن احتمالات إقناع الأميركيين بوقف المساعدة تبدو منخفضة المعقولية. لذا يجب أن يكون للحوار الإسرائيلي مع الإدارة في هذا الشأن هدفان مركزيان: الأول، التشديد على ألاّ تشكل هذه المساعدة إضافة مهمة للتهديد ضد إسرائيل، مع افتراض أن حزب الله يمكن أن يضع يده على هذا العتاد. والثاني، الدفع من أجل تعزيز استخدام الإدارة للمساعدة في التأثير في السلطات اللبنانية من أجل وضع قيود على حزب الله.

بالإضافة إلى ذلك، ثمة أهمية كبيرة للتنسيق المسبق مع الإدارة بشأن هامش التحرك العسكري الإسرائيلي، وطول النفس الذي سيكون لإسرائيل عندما تنشب مواجهة عسكرية بينها وبين حزب الله. ومن المهم التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة مفادها أن إسرائيل لن تعارض مساعدة الجيش اللبناني إذا قبلت الإدارة وجهة النظر الإسرائيلية التي تحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية التصعيد العسكري، وأن تفهم الدولة أنه إذا تحرك الجيش اللبناني ضد الجيش الإسرائيلي فإنه سيهاجَم بقوة هائلة. من دون اتفاقات مسبقة بشأن هذه المسألة يمكن أن تتحول التهديدات الصادرة عن إسرائيل ضدها، وأن تضعف قدرتها على الردع كثيراً في اليوم التالي للمواجهة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.