من "بوس الواوا".. إلى شوف "الكوكو"!

لم أنس يوماً نقرات الدّيك الذي كان يعيش في خمّ وراء منزلنا في الضّيعة، يوم كان الخوف من منقاره أكبر هموم طفولتي رغم محاولات أبي الحثيثة لإقناعي بأنّ "الكوكو" حيوان لطيف. هو من جنى على نفسه، حين ظلّ يركض ورائي حتّى قرر أبي ذبحه.

ذبحهُ، ثمّ نتفتهُ أمّي، وطهته، وانتهى به الأمر ممدداً على منسف برغل…

ديكنا يختلف جدّاً عن "الكوكو" في فيديو كليب الفنّانة الصّاعدة ريما ديب – الخادش للحياء، فـ"ديكُها" كان مسمّراً على سيقانها العارية، وهي ترقص على السّرير، لربّما تسمّر من هول المنظرالذي شاهده أمّامه.. اذ يبدو أنّه فقد قدرته على الحركة وعلى الصّياح أيضاً.

ليس وحده "الكوكو" من "تخرسن" ووقف مصدوماً على جسدها، فما من أحد يشاهد "الكليب" إلا وسيصاب بالذّهول. الأمر لا يتوقّف فقط على المغنّية شبه العارية، بل على كلمات الأغنية التي كتبها "الشّاعر" فضل الرّاوي "كوكو يا كوكو يا كوكو، أنا على آخري يا كوكو، مش راجعالو يا كوكو، دمّي بيغلي يا كوكو…".

لا أعرف ما السبب الحقيقي وراء كتابة إسم المؤلّف فضل الرّاوي في نهاية الكليب، هل هو حقاً خائف على حقوق التأليف والنّشر؟ أو خائف من أن يسرق أحدهم كلماته أو يقتبسها؟ هل يظن حقاً أنّ هناك من سيحاول الإستيلاء على ابداعاته ونسبها لنفسه؟ ماذا سنسرق من أغنيتك يا "كوكو"؟ ليش هيدي كلمات يا "كوكو"؟

لو أنّك طهيت مع ريما ديب هذا "الكوكو" على منسف أرز وتناولتموه مع أسرتها، ونصحتها بأن تهتم بزوجها وتربية ولديها، أما كان أفضل لكما ولنا؟

رحم الله أيّام "بوس الواوا" التي سطّرتها هيفاء وهبي، حين ظننا أنّ الفن اللبناني قد وصل إلى الحضيض… لم نكن نعلم أنّ الآتي أعظم، وبأنّ أغنية "بوس الواوا" التي خلناها أسوأ ما قد نصل إليه ستبدو "لوحة فنّية" راقية ومحترمة جداً مقارنة بما نشاهده اليوم.

كيف نقنع بعض "الفنّانّات" أنّ جميع نساء كوكب الأرض لديهنّ مؤّخرات؟ وأنّه ليس عليهن تصوير مؤخراتهن بهذا الشّكل الفاضح لإثبات ذلك لنا.. فهذا الأمر مثبت علمياً ويعرفه الجّميع، أمّا إن كان الهدف هو طمأنة الجّمهور بأنّ عمليّة النّفخ قد نجحت مئة بالمئة.. فمبروك والحمدلله عالسلامة!

الأغاني الهابطة صارت وباءً يصيب الذّوق الفني، إذ تتكاثر كالفطريات بسرعة هائلة، يغذّيها كتّابٌ يتاجرون بكلمات هابطة مليئة بالإيحاءات الوقحة والغرائزيّة المقترنة بالأجساد العارية. إلى هذا الحد بات الكاتب ضحل الخيال، و فاقد الذّوق، و هابط المستوى، و بذيء التّفكير؟ إلى هذا الحد وصل بنا الإفلاس الفكري؟

كيف انحدرنا من "بعدك على بالي، يا قمر الحلوين، يا زهرة تشرين، يا قمر العالي" بصوت السّيدة فيروز، يوم كنّا "نحن والقمر جيران" بوجود الشّحرورة السّيدة صباح و "زي العسل على قلبي هواك"، نحو "حط النّقط على الحروف، قبل ما نطلع سوا عالرّوف"، و "فرفورة أنا" لدومينيك، و"أنا رولا شو بنحَب، ما يعجبني أي شي شب"، و"أنا دانة أنا دندن"، وأغنية الموز، و "ركبني المرجيحة"، لينتهي الأمر بـ "غول" ميريم كلينك الذي دخل في مرمى الفنّ اللبناني، وألحق به خسارة مدوّية…

سلسلة الأغاني التي تُوضع في خانة التلوّث السّمعي، الذي يُسبب الضجيج ويُفتت الأعصاب، لحقت بها اليوم أغنية "الكوكو"، وأغنية جديدة للفنانة قمر الطّحش، وهي عبارة عن جملتين كتبهما الشّاعر جوزيف جحا، يقول فيهما "أنا لما خصري يهز، كللو يُرقص ويفز"، والجملة الثّانية تقول “he wants to kiss my lips, look how I move my hips”!

جحا كنظيره فضل الرّاوي يبدو مفتخراً بإسمه، وبأنّه إستطاع أن يكتب هذه الكلمات "الفريدة" من نوعها… لا شك أنّه بذل مجهوداً كبيراً وقضى عدّة أيّام يعتصر دماغه ليُخرج هذه اللوحة الإبداعيّة.. كلمات مؤثرة تحمل الكثير من المعاني العميقة… حتى أنني سمعت أنّ أحدهم ومن شدّة ما تأثّر بها إنهار باكياً.

جملتين تكررهما قمر.. لا أعرف لماذا تدعونا فيهما إلى رؤية "her hips" (أي مؤخّرتها) وكأنّها قد صوّرت لنا شيئاً غير مؤخرتها لننظر إليه.

أغاني المؤخرّات التي تحصد نسب مشاهدة عالية جداً، تحصد أيضاً تعليقات سلبية بحتة، تعبّر عن إستياء اللبنانيين من هذا الإبتذال، فيما لا تتحرّك نقابة الفنّانين أو الجّهات الرّقابية في الإعلام اللبناني لوقف هذه الميوعة والتعرّي والحركات والكلمات الخادشة للحياء.

تشويه السّمعة الذي تقوم به بعض الرّخيصات لنيل الشّهرة السّريعة، أطاح بالفنّ اللبناني وسمعة الفنّانات الرّاقيات، وسمعة فتيات لبنان بالإجمال.. فمعظم تعليقات الإخوة العرب على هذه الأغاني هي اهانات لنا جميعاً. إذ كتب أحدهم على فيديو كليب ريما ديب الجديد "كل اللبنانيّات هيك عاهرات"، وأضاف آخر "لبنان وطن الدّعارة"…

في ظل هذا الهبوط، هل سيتحرّك أحدهم لنعيد أغنية الرّاحل وديع الصّافي من تحت الرّكام والقذارات الفنّية.. هل سيرجع من يقول "لبنان يا قطعة سما"؟

ماذا لو تعرف الشحرورة اليوم أنّ دار الفنّ اللبناني الذي غنّت له "تعلا وتتعمر يا دار، محمّية براجك.." يوشك اليوم على الإنهيار ولا أحد يأبه لتحصينه بسياج الرّقابة…

في زمن المؤخرات لا نقول إلّا "الله يجيرنا من الأعظم".

 فرح الحاج دياب
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.