الراعي إلى السعودية: زيارة تُخالف توقيت بعبدا؟

* جوزف القصيفي *

ليس حدثاً عابراً ان يزور رأس الكنيسة المارونية المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين، وأن تُفرش له السجادة الحمراء في مطار الملك خالد بالرياض وأن يعبر عليها بثيابه الحبرية، يعلو صدره الصليب، في حدث هو الأول من نوعه منذ تأسيس المملكة.

إنه مؤشر على فتح صفحة جديدة في العلاقات المسيحية -الاسلامية، تنقل حوار الحضارات من حيّز القوة الى حيّز الفعل، وتنقل هذا الموضوع من الاطار النظري الى الاطار العملي.

لكن هذه الزيارة تأتي في توقيت ملتبس بعد التطورات المتسارعة، والتداعيات التي خلفتها استقالة رئيس حكومة لبنان من الرياض، وما رافقها من أحاديث حول ملابساتها: هل هي استقالة طوعية أو إكراهية؟ هل هو مقيد الحركة أو طليقها؟ أحاديث مرفقة بسؤال كبير: إذا لم يكن سعد مكرهاً على تقديم استقالة حكومته، لماذا لم يعلنها من لبنان، وليرتحل من ثم إلى حيث شاء؟
كثيرون تمنّوا على صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال بشارة بطرس الراعي أن يرجئ الزيارة الى الوقت الذي تتضح فيه ملابسات الاستقالة. وفي المعلومات أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان يأمل أن يتفهّم الراعي دقّة الوضع وخطورته، فيمتنع عن إتمام الزيارة في هذا التوقيت الحرج للجميع، لئلا تُفسّر خطوته كأنها مباركة لما يحصل. صحيح أن الرئيس عون لم يطلب منه إلغاءها، وما تمنى عليه ذلك. لكنه قدّم له قراءة شاملة يمكن الاستخلاص منها أن الزيارة غير مناسبة في هذا الوضع. إلا أنه كانت للبطريرك رؤية مغايرة ربطها بأهمية تعزيز التلاقي الاسلامي – المسيحي في هذا التوقيت الدقيق الذي تمر به منطقة المشرق العربي، حيث يتعرّض المسيحيون لخطر الحذف والالغاء والتهجير. وهو اقتنع بطروحات بعض الجهات أن هذه الزيارة مطلوبة من الجالية اللبنانية في المملكة وفي عدادها آلاف الموارنة.

لكن الرئيس عون، الذي يتمنّى ولا يُملي على البطريرك ما ينبغي عليه ان يتصرف، لا يحبذ حصول هذه الزيارة فعلياً، ويُشاطره رأيه العديد من الشخصيات المارونية والمسيحية والاسلامية، وخصوصاً السنية، وذلك خوفا من تفخيخها سياسيا، فتؤدي عكس المرجو منها. لذلك، فإن أجواء قصر بعبدا توضح أنها غير معنية بهذه الزيارة وأن على الراعي ان يتحمل مسؤوليتها، في حال عاد "بخفّي حنين" من الرياض فيما هو يأمل بلقاء الحريري للاطلاع على أسباب الاستقالة وأبعادها.

الرئيس عون كان واضحاً بانه لن يأخذ بأي طرح ولن يتبنى أي رسالة إلا إذا سمعها مباشرة وبالتفصيل من الرئيس الحريري. وذلك ليس تقليلاً من صدقية البطريرك، ولكن صوناً للأصول الدستورية والاخلاقية والبروتوكولية. ويخشى البعض أن يكون الراعي عرضة لاستدراج إعلامي بهدف اطلاق مواقف ضد بعض الافرقاء في لبنان، ما يزيد الاوضاع تعقيداً.
الواضح من المعلومات المتوافرة أن البطريرك لا يحمل أي رسالة من رئيس الجمهورية الى القيادة السعودية، إلا انه سينقل لها حتماً أجواء الرئيس.
المؤكد أن الراعي سيلقى تكريماً استثنائياً من المسؤولين في المملكة، وقد تكون الزيارة مناسبة لبحث ترتيبات وإجراءات  تتعلق بالمسيحيين العاملين في المملكة، خصوصاً في ما يتصل بممارسة شعائرهم الدينية، والدور الذي يمكن أن تؤديه الرياض في توطيد الصلات بين الديانتين السماويتين الأكبر في العالم. لكن الهمّ اللبناني سيقلّص هذا المنحى لمصلحة الحدث الداهم. وانه كان الافضل لو تمت الزيارة في توقيت آخر. على أن هناك ايجابية ثابتة، هي انها ستضع اللبنة الاولى والأساس لتواصل سيُبنى عليه مستقبلاً عندما تنحسر العواصف الاقليمية العاتية.
كل ما تقدم لا ينفي ان الزيارة اطلقت نقاشاً في الشارع المسيحي عموماً، والماروني خصوصاً غير الرافض للزيارة البطريركية الى بلاد الحرمين الشريفين، من حيث المبدأ. لكن الجدل يدور: هل انها تتم في التوقيت الصحيح أو التوقيت الخطأ؟
الأيام الطالعة هي التي تحمل الجواب الشافي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.