مواقع التواصل الاجتماعي ورقة يانصيب خاسرة

تصفّح مواقع التواصل الاجتماعيّ باتَ أقرب الى ورقة يانصيب، في كلّ بوست مجموعة صوَر وأخبار، قد تصيب أو لا تصيب، ومن يصدّقها أولًا قد يكون أوّل الخاسرين ويقع ضحيّة هوَس التسابق على المعلومة أو تحريف المضمون. مسألة الخسارة هنا لا علاقة لها بالحظوظ، بل بكمّ الأصدقاء والمتابعين الّذين يتطفّلون على حقيقة المعلومة عبر صفحاتهم على مواقع التواصل، ويضعونَ من الأخبار "ما هبَّ ودبّ". ويطيبُ المجد لمن يجمع العدد الأكبر من "اللايكات" على خبر حتى ناشرُه لا يعلم مدى مصداقيّته.

في مجتمع اعتادَ الشّواذ الاجتماعي والتّصرفات الجنونيّة، أصبحت الحوادث على أنواعها أمرًا عاديًا، لكنّ الصدمة هي نفسها، وردود الفعل بدرجة القساوة نفسها. "امرأةٌ أنجبت طفلها أمام مستشفى لم يسمح لها بالدخول"، ليتّضح لاحقًا أنّها أنجبته بمساعدة الطاقم الطبي اثر تعذّر وصولها الى مدخل المستشفى.

بيان المستشفى التوضيحيّ لم يلحق ب"ماراتون" العالم الافتراضي، فالخبر كان قد أشعل مواقع التواصل فورَ حدوثه، وانهالت التّعليقات: إدانة، اتّهامات، شتيمة، استنكار، واللائحة تطول.. وعند كلّ حدث يردّد المواطنون بـأعلى أصواتهم وبكثرة منشوراتهم "وينيي الدّولة"، يُفرغون ما في حوزتهم من اعتراضات دفعةً واحدة، وقد يلطّفون الجوّ ببعض الشّتائم الّتي يتراشقها السّياسيّون خلال جلساتهم وإطلالاتهم الإعلاميّة.

لا عتب على من يُصدّق مثل هذه الأخبار، ففي مجتمعٍ يعيشُ مواطنوه تراجيديا اجتماعية، كلّ شيء وارد من دون استثناء، من إهمالٍ وتحرّشٍ واغتصابٍ وقتلٍ.. كيفَ لا وشعبُ لبنان يُكبًل رأيه كلّ يوم من شرطة "القدح والذم"، ويُغتصبُ من سياسيّيه في كلّ جلسةٍ أو تصريح، يعيثون بالأرض فسادًا، والشّعب على خُطى فسادهم سائر، في الحياة الافتراضية كما الواقعيّة.

ليس بالأمر الغريب مثلًا أن يستيقظ أيّ مواطن عاديّ ليجد نفسه مشهورًا، أو يستيقظ أحد المشاهير ليحضر جنازته افتراضيًّا: "موت الفنان القدير دريد لحّام"، "كاظم الساهر في ذمّة اللّه"، "وفاة جورج وسوف في المستشفى بالصورة"، ومن يعلم؟ قد يتطلّق البعض ويتزوّج آخرون من دون علمهم..

 "المواقع الصّفراء" لا تملّ هذه الإشاعات، ومستخدمي مواقع التّواصل الاجتماعي لا يملّون لعب دور "المراسل المشاغب"، يُعصّب عينيه بقطعة قماش، ويترك عقله في إجازة أو ربّما يستبدلُه بِنعلٍ! ويتشارك الأخبار مع أصدقائه بسرعة من دون التّأكد من صحّتها، "فمن سبق شمّ الحبق".

"موضة" المآسي لا ولن تنتهي، فإنّ الشّعب يهوى "الأكشن" وسلاحه الاعتراض من خلف الشاشات، وخوض حرب "البوستات" في موضوعٍ قد لا يمتّ للحقيقة بصلة، وبأقصى الدّرجات يُطلق "هاشتاغ" مناسبٌ للحدث.

مروى بلوط

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.