وزير البيئة في زيارة فولكلورية إلى جزين!

نورما أبو زيد /

لفتني كمواطنة جزينية برنامج الزيارة المقرّرة لوزير البيئة فادي جريصاتي إلى منطقة جزين يوم السبت. يكفي إلقاء نظرة سريعة على البرنامج المعدّ، للاستنتاج بأنّ الزيارة "خفيفة"، تصلح للبناني عادي يقصد جزين بهدف الزيارة، ولا تصلح لوزير بيئة في منطقة عدد من بلداتها مفجوع بيئياً.

حاولت أن أجد للوزير جريصاتي أسباباً تخفيفية لهذه الزيارة الفولكلورية التي تستخفّ بفواجع جزين البيئية، على اعتبار أنّه ابن زحلة وقد لا يدري بـ "شعاب" المنطقة، ولكن سرعان ما استوقفني قرار حديث العهد صادر عن الوزير نفسه، يوقف بموجبه العمل بمجبل الباطون "السرمدي ـ الأبدي" الواقع عند تقاطع لبعا ـ عين المير ـ مراح الحباس ـ كرخا. يُحسب هذا القرار للوزير جريصاتي دون أدنى شكّ، بعد طول صراع مع وزير البيئة السابق "المتردّد" طارق الخطيب، الذي كان يجيب مراجعيه بالمجبل الذي "تحرسه" العناية الإلهية، بأنّ على نائبي "التيار" في جزين أن يتّفقا على رأي موحّد. أحدهما كان يطالبه بوقف التعدّي على بيئة جزين وأمن أهلها الصحي، والثاني يطالبه بـ "التطنيش"، ربما من باب استكمال مسلسل "التطنيش" الجزيني الطويل على مخالفات لا عدّ لها ولا حصر. هذا المسلسل الشبيه بمسلسل "شيخ الجبل" من حيث الغياب "الدولتي" والفصول التي لا تنتهي.

ولكن قرار إقفال المجبل الذي يُحسب للوزير جريصاتي، يُحسب عليه أيضاً. كان يمكن لمضمون القرار أن يأتي متيناً بالاستناد إلى حقائق ثابتة، كوجود المجبل عند تلاقي وديان، والضرر الذي يلحقه بالمياه الجوفية، أضف إلى استباحته مشاع أربع بلدات. هذا إذا وضعنا جانباً الضرر الصحي على القرى المحيطة به، الذي يُترجَم على شكل سرطانات تحصد أرواح الأهالي تباعاً، ضمن "سياسة الحدّ من أعداد قاطني كوكب جزين" الذي "احتفل" رئيس اتحاده به منطقة مستدامة في حزيران 2018، بالتزامن مع "ورشة" اقتلاع أشجار صنوبر مثمرة ومعمّرة في الحمصية، استمرّت ثلاثة أشهر من ضمن سياسة إطالة "الاحتفالية البيئية" ذاتها، وعلى وقع الأعمال التي لا تتوقّف في المجبل "السرمدي ـ الأبدي". ولكن لسبب مجهول، ضمّن الوزير جريصاتي قرار توقيف المجبل وجود منزل بالجوار، متجاهلاً كلّ العوامل الأخرى. فهل أراد من هذا المضمون الملتبس أن لا يسلك قرار الإقفال طريقه إلى التنفيذ في وزارة الصناعة؟

كي لا نسيء الظنّ بالوزير، حاولنا في "الرقيب" التواصل معه والوقوف عند رأيه، سواء في مضمون القرار الملتبس أو في محطات زيارته الجزينية الفولكلورية، فاتّضح لنا أنّ جريصاتي الذي يعشق الكاميرات، بحيث "عَ الطالعة وعَ النازلة" لا تخلو نشرة أخبار من "طلّته"، فضّل التخفّي هذه المرّة. مستشارته الإعلامية دوّنت "الأسئلة ـ الهواجس" والملاحظات على برنامج الزيارة، ووعدت بأن تعود بأجوبة، ولكنّها على الطريقة اللبنانية "خرجت ولم تعد"، ولذلك كان لا بدّ من تدوين ملاحظاتنا وهواجسنا في مقالة.

ـ رغم أنّ طريقه الوحيد نحو جزين المدينة، تمرّ بلبعا وكرخا الواقعتين على الطريق العام، يقفز جريصاتي فوقهما، علماً أنّ الفواجع البيئية هناك ترقى إلى مستوى يفوق الفضيحة. ففي مربّع لبعا ـ كرخا ـ مراح الحباس ـ عين المير، خراب بيئي يستحقّ أن يتوقّف وزير البيئة عنده، إلاّ إذا كان يريد أن يتقمّص في زيارته شخصية وزير سياحة، فيكتفي بالبرنامج المقرّر له سلفاً، والذي يوحي بأنّ بيئة جزين بألف خير.

ـ على نفس خطّ لبعا ـ كرخا، جريمة بيئية محتملة في كفرفالوس، كادت أن تبصر النور لولا جهود جبارة قادها كلّ من النائب زياد أسود، ونائب رئيس اتحاد بلديات جزين، رئيس بلدية لبعا، السيد فادي رومانوس، لمحاصرة مشروع كسارة كان ينوي أحد "المستثمرين" المباشرة به بعيد الانتخابات النيابية. حوصر "المستثمر" ومشروعه الملتبس الذي كان يتلحّف بغطاء زراعي وهمي، بمجموعة عقارات انتقلت ملكيتها إلى رومانوس ورجلي الأعمال سمير عون وشارلي حنا والرهبانية المارونية، ولكن هذا لا يعني أنّ خطر قيام كسارة على عقار تفوق مساحته المليوني متر قد انتفى، ولذلك كان مجدياً أكثر لو استبدل الوزير جريصاتي واحدة من محطاته "المائعة"، سواء في بلدية جزين أو في الاتحاد أو في محميتي جزين وعرمتى، بوقفة جديّة في كفرفالوس، أقلّه لمعاينة الأشجار المعمّرة الموجودة في العقار المستهدف، التي ينوي المالك الجديد وضعها في تصرّف كسارته ما إن تتيح له الظروف تصحير الأرض.

ـ وعلى بعد كيلومترات معدودات من كفرفالوس، مجزرة بيئية في بلدة الحمصية، أكلت أخضر إحدى تلال البلدة، وفق سياسة "التطنيش" إياها التي كانت تُطلب من الوزير السلف. الحمصية بدورها لا تتطلّب من الوزير الخلف "تكويعة" للوقوف عند حقيقة ما جرى وما يجري فيها، لأنّ البلدة ممرّ إلزامي له في طريقه نحو جزين المدينة لإنجاز محطاته "المائعة"، ويكفي أن يطلب من المعنيين بشأن البلدة البيئي نسخة عن تقارير مكتب الزراعة، ليعلم مدى الضرر السابق الذي لحق ببيئتها، ومدى الضرر اللاحق، لأنّ التداعيات مستمرّة ولن تتوقّف ـ بحسب التقارير ـ إلاّ مع حصول انزلاق كامل لكامل تربة التلة، واندثار كلّ أشجارها المعمّرة.

الأكيد هو أنّ البلدات الجزينية المنكوبة بيئياً لم تسقط سهواً من برنامج زيارة وزير البيئة، ولكن هناك أيادٍ جزينية أسقطتها عمداً، لأنّ جريصاتي "الضيف" سيسأل "مضيفه" حتماً أمام فظاعة المشاهد: من ارتكب، ومن سمح، ومن غضّ النظر؟ وسيعجز المضيف عن الإجابة، خاصةً وأنّ حرجه المالي والقضائي يكفيه هذه الأيام، وهو بغنى عن هذا الحرج البيئي.

وإذا كان هناك من أراد "تلغيم" زيارة جريصاتي "الضيف"، فإن الإحساس بالمسؤولية يحتّم عليه إعادة النظر ببرنامج زيارته، بعد تسليطنا الضوء على الألغام البيئية التي يقفز فوقها. وعليه، حبذا لو يستبدل "وقفاته" الجزينية "الخفيفة" بأخرى مفيدة، ولو يخصّص ساعة من يومه الجزيني الطويل، للوقوف عند مخاوف أهل المنطقة من سدّ بسري. هذه المخاوف التي تستند إلى دراسات تتحدّث عن تداعيات كارثية للسد.

في بسري خراب بيئي محتمل، وفي كفرفالوس كارثة بيئية محتملة، وفي لبعا ومراح الحباس وعين المير وكرخا فاجعة بيئية، وفي الحمصية جريمة بيئية تتحوّل مع الوقت إلى كارثة، والوزير يلعب دور السائح في زيارته الجزينية. فليصحّح المعلومات حول بسري إن كانت مغلوطة لتبريد قلوب أهالي المنطقة، وليصحّح مسار زيارته إلى جزين لأنّ الوقت ليس للكبة والتبولة!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.