هل تريد وزارة التربية زيادة نسبة الرسوب في الشهادات؟!

بين الياس بو صعب وأكرم شهيّب مسافة سنوات ضوئية في أسلوب العمل الذي اعتمده كل منهما في وزارة التربية.

المقارنة صعبة جداً، خصوصاً بالنسبة للطلاّب الذين أحبوا بو صعب ووجدوا فيه صديقاً متعاطفاً معهم وليس وزيراً عليهم. بينما ينظرون اليوم إلى شهيّب نظرة العدو الذي يريد قهرهم.

لم يعقّدها الياس بو صعب في وزارة التربية. الخوف من أي عاصفة كان يدفعه لتعطيل المدارس. تلك كانت بالنسبة للطلاب فضيلة تحسب له، وإن اتخذها البعض في لبنان على سبيل المزاح والتندّر. لكن بو صعب كان متساهلاً لأنه لم يكن يريد المغامرة بحياة أي طالب. أليس الأفضل تعطيل يوم للمدارس بدل المغامرة؟ تلك كانت معادلة بو صعب.

أما بالنسبة للامتحانات الرسمية، فإن بو صعب بذل جهوداً كبيرة لعدم ترهيب التلاميذ في امتحانات الشهادات الرسمية، وعدم إخضاعهم للضغط الذي يؤدي إلى إرباكهم وبالتالي التأثير على تحضيراتهم.

تلك مرحلة انطوت مع مجيء مروان حمادة إلى وزارة التربية مع شعار "لا أعطال.. حتى في عزّ العواصف". وعندما تيقّن خطراً على التلاميذ، لم يقتنع بالتعطيل وإنما أحال مسؤولية القرار إلى إدارات المدارس.

لم تقم علاقة ودّ بين الوزير حمادة وبين الطلاب، على الرغم من أن حمادة اعتمد أسلوب بو صعب في الامتحانات الرسمية بتخفيف رهبة الشهادة على التلاميذ.

أما الوزير الحالي أكرم شهيّب، فقد أعلن لحظة تسلّمه وزارة التربية أنه خصم للتلاميذ!

استراتيجيته هي التشدّد في الامتحانات الرسمية "بهدف إعادة الاعتبار للشهادة الرسمية في لبنان"، لكن طريقته في إعلان هذا الموقف جاءت وكأنها إعلان حرب على التلاميذ، وتهديدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ورفضه أن تكون نسبة النجاح مرتفعة!

حاول كثيرون تفسير موقف شهيّب على أنه "حماسي" في اليوم الأول لتسلّمه وزارة التربية… إلى أن جاء قراره الأخير بتركيب كاميرات في نحو 250 مركزاً للامتحانات الرسمية للشهادتين المتوسطة والثانوية في كل لبنان!

شكّل هذا القرار ضغطاً نفسياً على التلاميذ، حيث بدأوا يشعرون بالرعب من وجود تلك الكاميرات، وهذا ما سيترك أثره على تقديمهم الامتحانات.

القرار الجديد يؤكّد أن شهيّب ماضٍ في سياسته التي تريد "إعادة الاعتبار للشهادة الرسمية" من خلال تخفيض نسبة النجاح، بدل أن ينصب جهده على رفع مستوى التعليم الرسمي الذي تأتي منه نسبة تدني النجاح في الشهادات!

هل تكون معالجة الضعف بالقمع.. أم بمعالجة أسبابه؟!

قد يكون فرض الإنضباط في الامتحانات في بعض المراكز، وفي بعض المحافظات، أمراً جيّداً، لكن ألا يشكّل قرار تركيب كاميرات للمراقبة إهانة للأساتذة المراقبين، وللمفتشين، وضغطاً هائلاً على التلاميذ؟

والسؤال المركزي في هذه المسألة هو نوع من الاستنتاج المنطقي للمسار الذي بدأه الوزير شهيّب منذ تسلّمه وزارة التربية: هل المطلوب تخفيض عدد الخريجين وإبقاء التلاميذ على مقاعد الدراسة سنة إضافية وخسارة سنة من أعمارهم لتحقق المدارس الخاصة مكاسب إضافية؟

هل يعقل أن تكون استراتيجية وزارة التربية هي إفشال التلاميذ والسعي إلى زيادة نسبة الرسوب في الشهادات؟

إنها معادلة غريبة، واستنتاج طبيعي لقرارات وتوجهات وزير التربية الآتي من حزب ناضل في سبيل رفع مستوى التعليم الرسمي، وكان قادته رموزاً في الحركة الطلابية.

قرار تركيب كاميرات، بحسب تعميم أصدره الوزير أكرم شهيب، هو بهدف "تأمين الجو الملائم والهادئ للتلامذة للعام 2019، والحفاظ على حقوقهم كمرشحين ومعرفة واجباتهم، وتمكين رؤساء المراكز والمراقبين العامين ومراقبي الصفوف من تأدية مهامهم بدقة وأمانة".

وطلب شهيب من المناطق التربوية في المحافظات استدراج العروض، في مهلة أسبوع واحد كحد أقصى من تاريخ تبلغ التعميم، وشكّل لجنة لمتابعة الأمر. وتتولى كل مدرسة أو ثانوية تسديد ثمن الكاميرات التي جرى تركيبها لديها من صندوقها الخاص.
أما المدارس غير القادرة على الدفع فيمكنها الاستعانة بصندوق التعاضد الموجود في المناطق التربوية والذي يموّل المدارس المتعثرة.

إشارة إلى أن مصادر في وزارة التربية أوضحت أنّ كلفة الكاميرات لن تتجاوز نصف مليون دولار في كل المراكز، أي بمعدل 3500 دولار لكل مركز.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.