"الوصفة" الكاملة لـ "طبخة" مجزرة الحمصية البيئية

نورما أبو زيد /

عندما كتبنا عن مجزرة الحمصية البيئية، في العدد الصادر بتاريخ 8/ 11/ 2018، كانت قد وصلتنا رواية كاملة حول المجزرة و"طبّاخيها".

تحرّينا حقيقة ما بَلَغَنا، وبَلَغْنا ما هو غير مستحبّ، ولذلك كان لا بدّ من التبليغ.

الرواية التي وصلتنا، تقول إنّ المستثمر ع. ح. اشترى أرضاً كبيرة المساحة في الحمصية بموجب وكالات، من لبنانيين يقطنون في الولايات المتحدة الأميركية، ومن آخرين، وأنّ ع. ح. اقتلع عدداً كبيراً من الأشجار، بغرض شقّ طرقات في الأرض المذكورة وتوسيع أخرى.

الأعمال بدأت في شهر تموز الفائت، والجرائم البيئية بدأت منذ اليوم الأول، والمستثمر لم يستصدر أيّ رخصة تتيح له استباحته للأشجار المعمّرة، نظراً لاستحالة استصدار هكذا رخصة أصلاً، إذ ينصّ قانون الغابات صراحةً، على أنّ أيّة أعمال جرف بمنظر مطلّ هي أعمال ممنوعة. ولا يمكن تبرير قطع الأشجار في البقعة التي يعمل فيها المستثمر بأعمال شقّ طرقات أو أعمال بناء، لأنّ هذه البقعة هي جزء لا يتجزأ من حرج بكاسين الذي يعتبر الأكبر في الشرق الأوسط، وهي أحد امتداداته الطبيعية. ولذلك فإن عملية ترخيص قطع الأشجار فيها مستحيلة.. قانوناً. إضافة إلى أنّ استصدار رخصة لاقتطاع عدد كبير من شجر الصنوبر الجوي، هو أمر مُكلف جداً فيما لو كان متاحاً.

اختصر المستثمر كلّ الطرقات، المستحيلة منها والمكلفة، وسلك طريق رئيس بلدية الحمصية جوزيف سلوم. وبناءً على هذه الطريق المختصرة، ارتكب مجازره مع اشراقة كلّ شمس، ومع كلّ غروب كان يعرّج على رئيس البلدية ونجله فادي سلوم "لإلقاء التحية".

بحسب الرواية التي وصلتنا، ضَمن المستثمر ع. ح. سكوت رئيس بلدية الحمصية عن مجازره البيئية، بـ"طريقة دسمة" وبتقديم "خدمات مختلفة". وهذه الاتهامات نترك للقضاء البتّ فيها. بدوره المستثمر ع. ح. الذي يملك في المحلّة ثلاثة عقارات باسمه، لم يسجّل العقارات التي اشتراها على اسمه، بل تركها على اسم أصحابها الأصليين كي لا يتكبّد رسوم تسجيل، كونه ينوي إعادة بيعها بعد الانتهاء من شقّ الطرقات وتوسيعها وتعبيدها. وربما هذا سلوك معتمد من قبل تجار العقارات.

لكن الاتهامات المتداولة نقلاً عن مصادر "يفترض أنها تعرف التفاصيل"، تشير إلى أن المستثمر اتفق مع أصحاب سائر العقارات الموجودة في البقعة ذاتها، على تأمين الطريق لعقاراتهم بـ "طريقته الخاصة"، مقابل بدل مادي عن أعمال شقّ الطرقات وتوسيعها وتعبيدها. ولهذا فإن "الصفقة" متعددة الوجوه، بحسب المصادر، وهي تنصّ على أن يقطع ع. ح. ما يحتاج إلى قطعه من أشجار لشقّ طرقات وتوسيع أخرى، على أن يبيع الرمول الناتجة عن شق الطرقات إلى تجمّع للرمول موجود في المحلّة، في عقار على تماس مع عقاراته. كما امتدّت الصفقة إلى فيلا مخالفة يملكها شقيق المستثمر في الحمصية، إذ اتّفق الجانبان أن يقدّم ع. ح. أعمال "تجليل مجانية" للأرض التابعة لمنزل رئيس البلدية، في مقابل تشريع المخالفة.

تحرّينا ما إذا كان شقيق ع. ح. يملك فيلا في الحمصية، وتبيّن أنّه يملك.

وتحرّينا ما إذا كانت هناك مخالفة في الفيلا، وتبيّن أيضاً أنّ هناك مخالفة.

وتحرّينا ما إذا كان ع. ح. قدّم خدمات "تجليل" لرئيس البلدية، وثبت أنّه "جلّل" له بنفس الآليات التي يستخدمها، وعبر نفس المتعهد، وبالتزامن مع بدئه لأعماله.

وتحرّينا ما إذا كان ع. ح. يقصد منزل رئيس البلدية بوتيرة مستمرة خلال فترة تنفيذه الأشغال، وثبت أنّه كان يقصده.

وتحرّينا ما إذا كانت الأرض رملية، وثبت أنّها رملية بامتياز، وأنّ رمولاً جمّعت فيها على شكل كثبان، تهيئةً لنقلها إلى خارج العقار، كما وتبيّن أنّ ثمّة تجمّعاً للرمول على تماس مع الأرض.

وبما أنّ ع. ح. ارتكب جرائم بيئية لا عدّ لها ولا حصر على مدى ثلاثة أشهر ونيّف. وبما أنّ بلدية الحمصية هي السلطة المطلقة في البلدة، وهذه السلطة لم تحرّك ساكناً حيال أعمال الجرف والقطع والردم وتجميع الرمول وبيعها في حرج تابع عقارياً للبلدة.. فهذا يعني أنّ عناصر الرواية كلّها صحيحة.

بعدما تأكّدنا من صحّة كلّ المعطيات التي بنى عليها المصدر روايته، انتقلنا لسؤاله عن سائر الجهات المعنيّة، فأشّر إلى "تواطؤ" متعمّد من مكتب "الزراعة" في جزين. استفسرنا أكثر، فقدّم لنا معطياته، ونحن من جهتنا عملنا على التثبّت منها وتبيّن أنّها صحيحة.

اُخبِرنا، أنّ جهازاً أمنياً أوقف مالك العقار عن العمل بتاريخ 1/ 11/ 2018، بعدما حرّر محضراً بتجاوزاته حوّله إلى مخفر جزين للمتابعة وإجراء المقتضى. طلب المخفر من مكتب "الزراعة" في جزين إفادته بتقرير، فكان أن أدلت "زراعة" جزين بشهادة شفهية ومبتورة. صُوّر لمأمور الأحراج أنّ عاصفة ضربت الحمصية، وأنّ هذه العاصفة التي هبّت في "عزّ" الصيف اقتلعت شجرتين لا أكثر. ولكن لماذا شجرتين؟ لأنّه لم يتسنّ لمالك العقار دفن هاتين الشجرتين إلى جانب الأشجار الضحايا، بعدما باغته الجهاز الأمني المذكور ومنعه من الاستمرار بأعماله.

دوّن مخفر جزين رواية الشجرتين، وصدّق عليها رئيس اتحاد بلديات جزين خليل حرفوش من خلال "تمديده" لسياسة "التطنيش" التي اعتمدها منذ بدء أعمال التخريب، وتجلّت بعدم تحريكه أيّ دورية تجاه موقع الأعمال. وعندما كشفنا المجزرة عبر صفحات "الرقيب"، سارع حرفوش إلى إبراز محضر ضبط نظّمه ليتبيّن أن المحضر المذكور تم إعداده على عجل وبتاريخ يسبق نشرنا القضية بيوم واحد، علماً أن أعمال اقتلاع الأشجار بدأت قبل ثلاثة أشهر في بقعة جغرافية يجب أن تكون محظورة على الجرافات والآليات.. وإذا كان هو لم يتنبّه ـ علماً أنّ هذه البقعة محاطة بالطرقات العامة ومطلّة عليها ـ فكيف لم تتنبّه شرطة اتحاد البلديات للأمر؟ وفي مطلق الأحوال هناك مسؤولية تقع على عاتق الاتحاد ورئيسه: إما لجهله بما حصل.. وإما لتجاهله.. وإما لصمته…

بالعودة إلى فصول الرواية، تقول المصادر إنّ اجتماعاً طارئاً عُقد في منزل رئيس بلدية الحمصية بينه وبين مسؤول في مكتب "الزراعة" في جزين، ومالك الأرض ع. ح.، ما إن اشتمّ الأخير أنّ جهازاً أمنياً يحوم حوله، بغرض تلافي انكشاف الارتكابات، وتدارك ما يُمكن أن تؤول إليه الأمور، واتّفق المجتمعون على الإخراج التالي: يُرسل مالك العقار رسالة على تطبيق "الواتساب" إلى مسؤول "الزراعة"، "يبلغه" فيها أنّ شجرتي صنوبر اقتُلعتا بفعل عاصفة. عندها يكلّف "المسؤول" الذي هو في إجازة حالياً من ينوب عنه في المكتب بوضع تقرير يؤكّد الإخراج المتّفق عليه، ولكن "الوكيل" في "زراعة" جزين، لم يتجرّأ على تسليم تقرير مكتوب كي لا يُحاسب في ما لو "تكشّحت" الرمول عن عشرات الأشجار المطمورة، وعليه اكتفى بإفادة شفهية تتحدّث عن شجرتين.

كان يُفترض أن تُنهي إفادته الشفهية "عاصفة" تقرير الجهاز الأمني، ولكن بما أنّنا في "الرقيب" آثرنا إثارة الموضوع، هبّت عاصفة حقيقية على "طبّاخي" الحمصية، ورؤوس كثيرة ستطالها العقوبات، في ما لو قرّرت النيابات العامة البيئية والمالية التحرّك بشكل جدي.

وإذا كانت تغطية رئيس بلدية الحمصية صارت مفهومة الأسباب والدوافع، فما الذي يدفع مكتب "الزراعة" في جزين لعدم تحريك أيّ دورية منذ بدء الأعمال قبل حوالي ثلاثة أشهر من اليوم؟ ولماذا كانت هناك محاولة لـ "طمطمة" الموضوع في "زراعة" جزين بعيد محضر أحد الأجهزة الأمنية، عبر الادّعاء أنّ شجرتين فقط اقتُلعتا بفعل العاصفة التي لم تهب؟

رواية المصدر ذاته تقول إنّ اتفاقاً رعاه رئيس بلدية الحمصية في منزله، حصل ما بين مسؤول في "زراعة" جزين، ومالك الأرض، ويقضي الاتفاق بـ "تأمين مصالح" مسؤول "الزراعة". وبعيد تحرّك أحد الأجهزة الأمنية، تكرّر الاجتماع بين نفس الأشخاص وفي نفس المكان.

قاومت "زراعة" جزين طويلاً محاولات كشف حقيقة مجازر الحمصية، تماهياً مع سياسة "الطمطمة" الجماعية التي اعتُمدت في هذا الملف، وعندما "حُشرت" في الزاوية جراء متابعتنا الحثيثة مع رئيسة دائرة التنمية الريفية في الجنوب الأستاذة سلام جبور، استبدل "المطمطمون" في جزين محضر الضبط الذي وعدت به جبور، بتقرير صدر بتاريخ 5/ 11/ 2018، يدّعي أنّ كشفاً أُجري عن بُعد بتاريخ 26/ 10/ 2018 على "الشجرتين الشهيرتين"، لأنّ مأمور الأحراج المكلّف بالمهمّة "لم يتمكّن من الوصول إليهما عن قرب بسبب غرق البيك اب". ولدى سؤالنا عن التقاعس في فتح محضر ضبط بتاريخ 5/ 11/ 2018، واستبداله بتقرير "تستيري"، تحجّجت "الزراعة" أنّ المستثمر ع. ح. خارج الأراضي اللبنانية، علماً أنّها "حجة ما بتقلي عجة"، لأنّه بمقدور مكتب "الزراعة" فتح محضر ضبط غيابياً لدى وجود مخالفة عادية، فكيف إذا كانت المخالفة ترقى إلى مستوى المجزرة البيئية؟

المفارقة هنا، أنّ "الزراعة" برّرت استبدال محضر الضبط الموعود بالتقرير "التستيري" الذي يحمل تاريخ 5/ 11/ 2018، بسفر المستثمر ع. ح.، ومحضر الضبط لم يبصر النور إلاّ بتاريخ 14/ 11/ 2018، بعد كشف أجرته جبور شخصياً على العقار بتاريخ 12/ 11/ 2018، أدركت من خلاله أنّ ثمّة عملية تستّر كبيرة، تحدّثت عنها في كتاب استجواب وجّهته بنفس تاريخ الزيارة إلى رئيس وحراس مركز جزين.

كيف لم يتمكّن مكتب "الزراعة" في جزين من تسطير محضر ضبط بحقّ ع. ح. قبل تاريخ 14/ 11/ 2018، بحجة "سفر المستثمر"، في حين أنّ رئيس الاتحاد خليل حرفوش "ضبطه متلبساً" بتاريخ 7/ 11/ 2018، و"نظّم" له محضراً؟

تناقض يكشف حجم الارتباك في التعامل مع الفضيحة بعد أن كشفتها "الرقيب"، وبالتالي يثبّت مسؤوليات ويكرّس ارتكابات ويكشف مجموعة "تلفيقات" ركيكة وغير بريئة.

في توزيع المسؤوليات، لا يتحمّل رئيس بلدية الحمصية ومسؤول "الزراعة" في جزين وحدهما مسؤولية التزام الصمت، كونهما كان يفترض بهما التحرّك لوقف الارتكابات، الأول لأنّ الأرض ضمن حدود بلدته، والثاني لأنّه مؤتمن على الثروة الحرجية. ففي تراتبية المسؤولية، هناك أيضاً قوى الأمن الداخلي. فلماذا صدّق مخفر جزين على "رواية الشجرتين"؟ الجواب يتشعّب إلى سببين: الأول يقول إنّ مخفر جزين غضّ النظر عن ارتكابات ع. ح. بطلب من مصدر أمني رفيع، يملك في البقعة ذاتها ـ حيث يعمل ع. ح. على شقّ طرقات وتوسيعها ـ 7 عقارات، بعضها مسجّل باسمه، وبعضها باسم أبنائه، وبعضها الآخر باسم والد زوجته، فكان أن بلع مخفر جزين الموسى وسكت. أمّا السبب الثاني فهو أنّ المخفر يدفع ضريبة السكوت الذي فُرض عليه، فيما لو ثبت أنّ ثمة أشجاراً أخرى تمّ اقتلاعها من دون علمه، أو بمعرفته ومن دون أن يبلّغ عنها.

وإذا كان مخفر جزين أُجبر على السكوت، فهل رئيس الاتحاد خليل حرفوش أُجبر على السكوت أيضاً؟ جواب المصدر هو أنّ حرفوش لم يحرّك طوعاً دورياته باتجاه موقع "الجريمة"، علماً أنّ موقع الأرض مطلّ على الطريق العام، ولا يمكن لأيّ جهة مسؤولة التذرّع بعدم أخذها علماً بالأعمال.

أمّا لماذا تعامى حرفوش طيلة ثلاثة أشهر ونيّف، فالشرح يطول… والجواب مُنتظر من مرجعيته السياسية، التي يجب أن تأخذ القضية على مسؤوليتها للمحاسبة. وعليه سنحتفظ بما لدينا.. إلاّ إذا لم تحصل المحاسبة. ولكن رغم تحفّظنا الآني، لا بدّ من طرح سؤال وحيد على حرفوش، ألا وهو: كيف سمّانا بعيد كشفنا النقاب عن جريمة الحمصية بـ"الإعلام المأجور"، وتبنّى في "فرمان" وزّعه لتكذيبنا "رواية الشجرتين"، ومن ثمّ وزّع "فرماناً" جديداً على رؤساء البلديات قبل يومين، يعترف فيه بحقيقة ما كشفناه، ويقول فيه ما حرفيته: "صباح الخير. أطلب منكم جميعاً إيقاف أي مشروع في بلداتكم للمدعو علي حجازي بتغطية من الاتحاد ومني شخصياً، وسوف أضعكم بالتفاصيل تباعاً"!

من الواضح أنّ هناك من يهوى ركوب الأمواج. وهناك من يهوى ركوب الموجات الشعبية من كفرفالوس إلى الحمصية… وربما هناك ما هو مستور وأعظم!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.