"أبو طلال" وشربل خليل وهشام حداد وغسان الرحباني.. والإساءة للديانات

فتات عياد

تقول الآية القرآنية: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ". ويقول إنجيل يوحنا: "ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي". لا شكَّ بأنَّ مكانة المسيح مكرَّمة ومنزَّهة في كلتا الديانتين، ولا شكَّ أيضاً أنَّ أيَّ إساءة له هي إساءة للديانتين معًا. فهل سقطت شخصية "أبو طلال" هفوةً في مستنقع الإساءة للمسيح؟ وهل يجوز أن يتخطى نقد "هفوته" بُعده المهني ليصل لانتمائه الديني؟ وماذا إذا اقترف ناقدوا "أبو طلال" ذنباً أكبر من ذنب "أبو طلال" نفسه؟!

ليست المرة الأولى التي يثير فيها "سكتش" ساخر حفيظة الرأي العام ويتحرك المجلس الوطني للإعلام على إثره، فهل سقط "أبو طلال" في خانة إهانة المسيح من أجل "الريتينغ"؟ وهل تحوَّرت الإساءة عن إطارها لتصبح في قالب "مسلم يهين المسيح"؟ وماذا عن تاريخ الإساءة الإعلامية للديانات في لبنان؟

تحرك المركز الكاثوليكي للإعلام إثر "سكتش" لوسام سعد المعروف بشخصية "أبو طلال الصيداوي" في برنامجه "أبو طلال الأجدد تي في" على شاشة  تلفزيون "الجديد". الـ"سكتش" جاء تحت مسمى"إعلان انتخابي غير مدفوع" حاول فيه "أبو طلال" محاكاة استهزاء المرشحين بعقول الناخبين، واقتطف كلاماً من الإنجيل في حديثه فقال "دعوا الأطفال يأتون إليّ" مكملاً: " دعوا النساء تأتين إلي مع أطفالهن"… بإرادتكم منعمل المعجزات"، ثم يظهر في الفيديو شخص مُقعد، يمسك ابو طلال بيده فيستطيع المُقعد أن يمشي على رجليه، ثم يقول شخص اخر"هلليلويا"، فيقول أبو طلال: "عطوني أصواتكن وخدوا المعجزات"،  في محاولة منه لتوصيف حال المرشحين بأنهم يفعلون "المستحيل" ليصلوا الى مقاعد المجلس لدرجة تقديم أنفسهم كأنهم "مخلِّصين". لكن استخدام وسام سعد لنص انجيلي، أثار سخط المركز الكاثوليكي للإعلام والرأي العام، كما أن الإستياء شمل حلقة لبرنامج "لهون وبس" الذي يقدمه هشام حداد على شاشة ال LBCI حيث استخدم هشام حداد عبارة "العشاء السرّي" في تهكُّم منه على "التيار الوطني الحر". فُهم موضع استخدام العبارة أيضا أنه استهزاء بالنصوص الدينية، الأمر الذي جعل المجلس الوطني للإعلام يطلب من محطتي "الجديد" وLBCI  تزويده بالمقاطع المقصودة للاطلاع على فحوى الحلقتين والتحقق من وجود الإساءة.

استدعى هذا الإستنكار اعتذارًا من وسام سعد الذي يقوم بدور"أبو طلال الصيداوي" الساخر، فكتب: "لإنو إسم السّيد المسيح أكبر مني ومن أيا موضوع نوقف عندو، تكرم عيون المسيحيين كلن، حقكن عليي اذا نفهمت غلط! وأكيد ما كان ابداً قصدي الإساءة! وما بدي أيّ شخص مسيحي يكون مدايق مني!"

مضى حوالي أسبوعين على عرض الحلقة، إلى أن أتت حلقة "منّا وجر" التي يقدمها بيار رباط على شاشة mtv  مساء الإثنين الماضي، ليعيد رباط طرح الموضوع ، فبدأت آراء ضيوفه تنهمر.

اعتبرت دوللي غانم أنَّ "المرشحين ع شوي رح يعملوا حالن المخلِّصين"، معتبرة أنَّ وسام سعد حاول محاكاة هذا الواقع. أما رولا كعدي فرأت أن الإستفزاز محصور بأسلوب توصيف النساء والمُقعد في الفيديو، مضيفةً أنَّ هذا لا يعني إخراج النص عن سياقه والذي يُقصد فيه أن المرشحين يلجأون لشتى الوسائل لتحقيق فوزهم في الإنتخابات، معتبرة أنه لم يسئ لشخص المسيح. أما حبيب غبريل فرأى بدوره أن الإعلام مسؤولية فيها خطوط حمر لا يمكن تجاوزها.

لكن ردة فعل غسان الرحباني كانت الأقوى بل والأقسى، حيث وصل به القول "من ضربك على خدك الأيمن در له خدك الأيسر.. بفتكر مش يسوع قايلها"، مضيفا: "وإذا رح نقضيها عم ندرلن خدنا التاني، هيك رح تروح أميركا وأوروبا. ليش بغير أديان ممنوع يعتذر اللي بيغلط.. دغري يُذبح؟"، ليأتيه الرد من جوزيف طوق: "مش المسلمين.. في ناس متخلفة هني بيعملوا الرد العنفي"، ليكمل طوق: "ليش بدنا نحكي إسلام ومسيحية ومين بيقبل ومين ما بيقبل؟.. وسام سعد شب مسلم كرَّم المسيح لأنه مسلم، ولما بدو يحكي عن العجايب أخذ المسيح قدوة".

بدورها اعتبرت منى صليبا أن سعد كان راقٍ باعتذاره من منطلق أن غيره يسيء من دون أن يكلِّف نفسه  باعتذار… فماذا عن تاريخ الإعلام اللبناني الساخر مع الإساءة الدينية؟

للمخرج  والكاتب شربل خليل تاريخ حافل في تحريك الشارع اللبناني، والمجلس الوطني للإعلام معاً، فحلقاته النارية والمستفزّة للشخصيات والمقامات الدينية، أدت إلى إيقاف عرض برنامجه عام 2006 حين قلَّد شخص السيد حسن نصر الله، الأمر الذي اعتذر عنه خليل، واضعا اعتذاره وقتها في خانة درء الفتنة لما آلت إليه الأمور من غليانٍ في الشارع المؤيد لخط السيد حسن، خصوصاً أن له مقاماً دينياً إضافة إلى منصبه السياسي في "حزب الله". لم يسلم خليل عام  2013 أيضاً من شكاوى المركز الكاثوليكي للإعلام الذي وجه كتاباً الى المجلس الوطني للاعلام، يعرب فيه عن استيائه ودعوته له لعقد اجتماع لدرس "ملابسات قضية تناول البطريرك مار نصر الله بطرس صفير واجراء اللازم". لم يقتصر الإستهجان على المجلس الكاثوليكي، بل امتد إلى الشارع ووصل حد تهديد خليل بالقتل وبتعليق مشنقته في قريته حراجل، علمًا ان خليل لم يذكر شخصية البطريرك الماروني نصر الله صفير بالإسم، بل كانت الشخصية شبيهة له في الملبس وحركات الجسد و الكلام… خليل نفسه تعجب معتبراً أنه سبق وقلَّد القديس مار مارون والمطران الياس عودة والشيخ نعيم قاسم وغيرهم، من دون أي استهجان من أحد.

لكنَّ خليل لم يتوقف عن تناول الشخصيات الدينية والتي لها "قداستها" في لبنان، ففي برنامجه  "دمى كراسي" الذي عُرض على شاشة "الجديد" تناول شخصيتي الإمام موسى الصدر ورئيس مجلس النواب نبييه بري في إحدى الحلقات، فاعترض جمهور حركة "أمل" وتعرض بعضهم لمبنى تلفزيون "الجديد"، وبقي شربل خليل غير آبه بالمسِّ بالشخصيات الدينية والخصوصيات الطائفية، كأنه يشتري شهرته من هجوم "حماة الأديان والطوائف" عليه، فهو حتى لا يكلّف نفسه باعتذار سوى اعتذاره الشهير عام 2006 والذي قال أنه بطلب من قيادة الجيش!

لكن سير شربل خليل بين "ألغام" المقدسات الدينية، ما هو إلا مثال على قدرة الرسالة الإعلامية في تحريك الشارع بحسب أهوائها، حتى ولو أتت ضمن إطار ساخر، الأمر الذي يرتِّب مسؤوليات جدية على من يمتلكون الهواء الإعلامي  لحماية الشارع وحرية الإعلام معا، علّ الضوابط تأتي من الأخلاقيات الإعلامية عوض الرقابة القانونية وفلتان الشارع!

على أمل أن لا يُجرَّم الخاطئ إلا بتهمته، وعلى أمل أن تُصوَّب الأمور في موضعها، فالخطأ المهني لا علاقة له بديانة صاحبه. فهشام حداد وشربل خليل مسيحيان شكا المجلس الكاثوليكي على فعلٍ مهني قاما به، شأنهما شأن وسام سعد.. فما هو المسوغ الذي يجعل غسان الرحباني "المثقف" ينزلق إلى تحوير التهمة وتصويرها في قالب "مسلمٍ أهان المسيح"؟ ألا يعرف أنَّ "فعلته" أشد خطراً من "فعلة" وسام؟ فالتحريض الطائفي أو إبراز احتقان طائفي، يُتوقع أن يأتي من متطرفي العقول لا من شخصية كالرحباني، خصوصاً في بلد لا ينطفئ فيه بركان الغليان الطائفي و"تقديس" البشر حتى قبل القديسين، فلماذا ينزلق خطاب الرحباني في وديان الفتنة.. و"الفتنة أشد من القتل"؟!

لم يطلب أحدٌ من غسان الرحباني أن يدير كفه الأيسر لا لـ"أبو طلال" ولا لغيره، ولكن هل "شنقُ" أبو طلال يحرر أميركا وأوروبا؟!

على كلٍّ من كان منّا بلا خطيئة، فليرجم "أبو طلال" بحجر…!

اعتَذَرَ وسام سعد، فهل يعتذر غسان الرحباني من السيد المسيح حين قرَّر أن يحسم "ما قال" و"ما لم يقل" السيد المسيح؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.