عباس عاصي يتغلّب على عمالة الأطفال

اسمي عباس عاصي. حتى سنّ العاشرة من عمري، كنت أذهب إلى المدرسة، وألعب وأقضي وقتاً ممتعاً مع أصدقائي. ثم أصبحت طفولتي عبارة عن مطرقة وإزميل يطرقان أحلامي بانتظام، وصاحب عمل غاضب يتوقع من الجميع أن يقوموا بخدمته على مدار الساعة.

بدأت أجراس قصتي تقرع بعد حرب لبنان في العام 2006، والتي قتلت عمي وجدي ثم جدتي. كل هذه الذكريات الحزينة أثّرت على صحة والدي ولم يعد بإمكانه العمل لساعات طويلة لدعم الأسرة. لذلك بدأت بمساعدته، من خلال القيام بالعمل في مجال الكهرباء وتمديد الكابلات بعد الدوام المدرسي، وخلال عطلات نهاية الأسبوع والأعياد. ثم ازدادت صحته سوءاً، وأصبحت أنا مسؤولاً عن إعالة الأسرة. بدأت العمل في ورشة عند رجل لم أكن أعرف عنه شيئاً. لم أعد أتمكن من الذهاب إلى المدرسة بانتظام، ولم أتمكّن من مواكبة دراستي. في نهاية المطاف، طلب مني صاحب العمل أن أترك المدرسة وأعمل معه بدوام كامل. كانت هناك أصوات كثيرة بداخلي، لكن صوت الأمل، الذي كدت أن أفقده، بدأ يرتفع ويرتفع عالياً، ولا بدّ لي من أن أعترف هنا بفضل دعم والدتي العظيمة التي لا تزال تؤمن بتعليمي.

في هذه الأوقات الصعبة، تواصل أستاذي الفاضل رايدر مع المؤسسة التابعة لجمعية "بيوند" في البقاع، والمدعومة من قبل "منظمة العمل الدولية" ووزارة العمل اللبنانية. كنت قد بلغت سن 15 سنة، وبدعم منهم، تم تعزيز قوة الاختيار وإتخاذ القرار لدي، وتمكّنت من إقناع صاحب العمل بأنني بحاجة إلى العودة إلى المدرسة، وقد فعلت، عدت إلى حلمي وإلى مدرستي.

ويا للعجب، لقد تلاشى صوت المطرقة والإزميل بداخلي. وفي سن الـ 15، توقّفت عن القيام بالعمل الخطر في الكهرباء وبدأت بإعطاء دروس تعليمية للأطفال، بدلاً من ذلك. اليوم، أنا طالب جامعي يدرس "إدارة المعلوماتية" و"القانون وحقوق الإنسان". إخترت دراسة هذه المواد آملاً في أن أتمكّن من الدفاع عن حقوق الأطفال، حتى ولو عن "طفل واحد".

وعلى الرغم من ذلك، فقد صُدمت اليوم بواقع جديد، واقع الحروب التي تُحيط بنا. ويبدو أن المشكلة ليست عمل الأطفال فقط، ولكن فعلياً، بقاء الأطفال على قيد الحياة.

أنا الآن أعمل على مساعدة الأطفال اللاجئين في لبنان، الذين هم ضحايا عمل الأطفال. ما تعرّضت له كان سيئاً ولكن ما يتعرّض له الأطفال الآن في حالات الطوارئ والكوارث يعتبر أسوأ. والمفارقة هي أننا كلما سمعنا المزيد عن السلام وحقوق الطفل، كلما شهدنا المزيد من الحروب والصراعات، يضطر الكثير من الأطفال للعمل، غالباً في أشكال خطرة جداً من أشكال العمل، من أجل البقاء على قيد الحياة. حمل بعض الأطفال السلاح، أو سقطوا ضحية لأصحاب العمل الذين يشبهون العصابات، والذين يجبرون الأطفال على العمل في ظروف شبيهة بالرقّ.

فساحة اللعب لم تعد مكاناً للعب، وإستمتاع الأطفال مع بعضهم البعض. بل أصبحت ساحة معركة يُستعبد فيها الأطفال في عالم من الخوف والخطر، يُدمّر أجسامهم وقلوبهم وعقولهم. هذا ناهيك عن الملايين من الناس الذين يضطرون إلى الفرار من منازلهم، بمن فيهم الأطفال، كما سبق لي أن شهدت، تاركين وراءهم أحلامهم وآمالهم وكرامتهم، وعلى ما يبدو، الحياة نفسها!

فلنعمل معاً على إنهاء عمل الأطفال ومعالجة أسبابه واحتضان ضحاياه، لا سيما الأطفال المحاصرين في الصراعات المسلحة، التي لها آثار مدمرة على الأطفال وعلى مجتمعاتهم.

*عباس عاصي شاب لبناني من جمعية "بيوند"، العضو في اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال، مثّل لبنان والأطفال العاملين في العالم في مؤتمر العمل الدولي المنعقد في مقرّ الأمم المتحدة، احتفالاً باليوم العالمي للقضاء على عمل الأطفال، متحدّثاً عن تجربته التي خاضها ضمن برامج الحكومة اللبنانية ومنظمة العمل الدولية حيث ساهمت في دعمه ومساعدته وانتشاله من خطر عمل الأطفال وإعادة تأهليه ودمجه في المجتمع.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.