"جزية"

سبحان الله الذي يغيّر ولا يتغيّر.

تغيّرت وجوه الهيئات النقابية وتغيّرت وجوه الحكومة.. لكن مجلس النواب بقي هو نفسه يناقش سلسلة الرتب والرواتب ويعيدها، ثم تستردها الحكومات الثلاث المتعاقبة لمناقشتها لتعود وتحيلها إلى المجلس النيابي نفسه برئيسه وأعضائه…

سبع سنوات مضت. استدان الموظفون على حساب السلسلة التي ستأتي يوماً. تراكمت الديون على الناس، والاعتقاد السائد لديهم أن "الثروة" آتية مع السلسلة.

كل شيء تغيّر منذ سبع سنوات: سياسيون تقاعدوا لأبنائهم.. 3 رؤساء حكومات.. 78 وزيراً من بينهم حوالي 60 وزيراً جديداً.. منافسة بين الهيئات النقابية والهيئات المطلبية الجديدة تحت مسمّى "المجتمع المدني"، حتى رموز الهيئات النقابية تغيرت.. رؤساء أحزاب تغيّروا وأحزاب انقسمت..

كثير من الأمور تغيّرت.. الأسعار ارتفعت.. أجهزة الهاتف التي بلغ عمرها 7 سنوات صارت بالية ولم تعد تصلح.. أسعار السيارات والموتوسيكلات تغيّرت.. حتى سعر حليب الرضاعة صار أغلى!

أما مجلس النواب فما زال هو هو منذ قرن.. صحيح أنه تجدّد منذ سنوات، لكنها كأنها قرن كامل.. هذا المجلس جاثم على قلوب اللبنانيين منذ زمن نسيناه.. يأخذ الرواتب والزيادات ويخترع لنفسه سلسلة رواتب وتقديمات.. لكنه لا يعمل.. فجأة اكتشفنا بعد 8 سنوات أن عندنا مجلس نيابي يشرّع!

لكن "الحرص على المال العام" يمنعه من التبذير بأموال الدولة على الناس.. هذا المال فقط للمتنفّذين.. مال الدولة فقط لأصحاب الدولة والمعالي والسعادة والسيادة و"بكواتها" و"أغواتها" و"مشايخها" و"متعهّديها" القدماء والجدد.

مال الدولة ليس للناس.. هل تعمل الدولة عند الناس؟!

الدولة فقط هي التي تأخذ من الناس.. الرعايا يدفعون "الجزية" وليست لهم حقوق.. ليس على الرعايا أن يناقشوا السلطة في ما تأخذ منهم واين تذهب بأموالهم.. هذا ليس شأنهم!

لا بأس.. لم نكن نعلم أننا مجرّد رعايا.. سامحونا..

ولكن، ماذا سيفعل هؤلاء الموظفون بعد أن طارت السلسلة سبع مرات قبل أن يقبضوها؟! حتى أن بعضهم دفعها سبع مرات ولن يستطيع قبضها إلا مجزّأة!

ليتها لم تكن هذه السلسلة من الأساس..

اليوم ستعمد مافيا المدارس الخاصة إلى زيادة الأقساط للمرة السابعة في سبع سنوات "لتغطية كلفة السلسلة"، مع أنها قبضت هذه التغطية مسبقاً سبع مرات!

اليوم سيلجأ التجار إلى احتساب ضريبة القيمة المضافة على السلع الموجودة قبل أن تطبّق عليها الـTVA.

اليوم سيعمل "منشار" المصارف بسرعة قياسية ليأخذ من مدخرات الناس لديها لتغطية كلفة الفوائد على الودائع والقروض والاستدانة.

المتضرّر الأكبر من إقرار السلسلة والضرائب معاً، ثلاثة أطراف:

الأول، هم أولئك البائعون "من الفجر للنجر" الذين لا يعرفون من السلسلة شيئاً ولا يفهمون معنى الـ TVA ولا يهمهم إلا كيف يؤمّنون لعائلاتهم مدخولاً يقيهم شرّ العوز.. لكنهم سيدفعون ثمن ارتفاع الأسعار.

الثاني، هم موظفو القطاع الخاص الذين لا تشملهم أي زيادة على رواتبهم، في حين أنهم سيدفعون حكماً الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار.

الثالث، هم المتقاعدون من العسكريين والإداريين والأساتذة ،الذين سيدفعون، كزملائهم في الخدمة، فوارق كبيرة لارتفاع الأسعار بينما "ستتلطّف" عليهم الدولة بتجزئة زياداتهم في السلسلة!

إنها السلطة التي ترى بعين واحدة، ولا تهتم لمصالح الناس..

على كل حال، سنرى إن كان الناس سيتركون هؤلاء النواب في مواقعهم وهم الذين كانوا سبباً في سلبهم رواتبهم ومدخراتهم.. وإلا فلنستسلم منذ اليوم ولندفع "الجزية" ونحن صاغرين لهذه السلطة.

إن غداً لناظره قريب.

خضر طالب
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.