"زمن العهر الإعلامي"؟!

الصحافيون بشر وليسوا ملائكة.. يجتهدون، يصيبون في اجتهاداتهم معظم الأحيان، ويقعون في الخطأ حيناً.. ولهم في ذلك فضيلة الاجتهاد، بدل أن ينتظروا على أبواب المراجع وينظمون المعلّقات كي يتسلّقوا إلى مقعد ـ ولو أخير ـ في بلاط السلطة.

بعض أولئك الذين حملتهم "الصدفة" إلى العمل السياسي أو إلى منصب سلطوي، تملّق الإعلام كثيراً حتى يُسمع صوته.. لا بأس، ولكن أن يشرب هؤلاء من بئر الإعلام ثم يرمونه بحجر.. فهذه قلّة وفاء. وفي كل الأحوال هذه طباع شخصية لا علاقة لنا بها.

لكن أن يلجأ وزير العدل، شخصياً، إلى اتهام الإعلام ـ أو بعضه ـ بـ"العهر"، فهذه كارثة وفضيحة.

كان يفترض أن يكون التعامل مع المرحلة بكثير من الوعي والإدراك، كما فعل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

الرئيس عون قدّم نموذجاً استثنائياً للرئيس القوي الوطني الجامع الذي واجه العالم من أجل "حرّية" رئيس الحكومة، بينما يلجأ أحد الوزراء المحسوبين عليه لتشويه إنجازات رئيس الجمهورية عبر اتهام "حرية" الإعلام بـ"العهر"!

هل هذا وقت هذا النقاش؟

أليس الأولى أن تتضافر الجهود لمؤازرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الجهد الاستثنائي والتاريخي الذي يبذله، بدل أن نشرذم الصفوف ونضعف "الجبهة الداخلية" خلف الرئيس عون؟

هل يقبل الرئيس عون، الذي حوّل قضية "حرية" رئيس الحكومة إلى قضية كل اللبنانيين، وأوفد وزير الخارجية الذي لا ينام وينتقل من عاصمة إلى أخرى لـ"تحرير" رئيس الحكومة، أن يقمع وزير العدل الإعلام ويتّهمه بـ"العهر"؟!

هل صار الإعلام "عاهراً" بنظر وزير العدل اليوم، بينما كان بالأمس القريب والبعيد يتنقّل من محطة إلى أخرى لكي يُنظّر في الحرية عندما كان خارج السلطة؟

لا يا معالي وزير العدل.. العدل ليس باتهام الإعلام بـ"العهر".. هذا الإعلام "العاهر" استخدمته أنت وغيرك من كبار القوم كي تبلغ السلطة..

ثم، واستناداً إلى قناعتك..

هل إذا حصل "خطأ طبي"، يصبح "زمن العهر الطبي"؟!

وإذا حصل، من وجهة نظرك، أن أخطأ محام، يصبح "زمن عهر المحاماة"؟!

وإذا ارتكب موظف خطأ، من وجهة نظرك، يصبح "زمن عهر الإدارة"؟!

معيار "الخطأ" و"الأزمنة" يتوسّع ويتمدّد إلى حيث لا نريد ولا نرغب..

النقاش لم يعد في "جريمة" مرسيل غانم التي "تسبّبت" في "تعطيل الدولة وانهيار المؤسسات والصفقات والسمسرات وتوزيع مغانم المشاريع والتعهدات على حساب الدولة"…

"المجرم" مرسيل غانم هو اليوم رأس حربة قضية الإعلام.. و"إعدامه"، بغض النظر عن النقاش في "جريمته"، هو إعدام للحرية في لبنان.

لا يا معالي وزير العدل.. العدالة ليست انتقائية.. والعدالة ليست وجهة نظر.. وحقيبتك الوزارية لا تمنحك الحق أن تتّهم الإعلام بـ"العهر" بينما الإعلام قضية وطنية، وبينما الإعلام هو من رموز لبنان.

يا معالي الوزير.. لقد أسأت إلى رمز لبناني من مقوّمات هذا الوطن.. فإذا كان هناك خطأ، كان يمكن معالجته بغير هذا الأسلوب القمعي..

راجع التاريخ.. لم ينتصر أحد على الإعلام في تاريخ لبنان.. مهما بلغ شأنه.

لبنان ليس بلد الرأي الواحد والحزب الواحد والرجل الواحد… والإصلاح لا يمكن أن يتحفّق من دون إعلام حر، والتغيير لا يمكن أن يحصل من دون شراكة الإعلام.

ليس بالضررورة أننا نتّفق مع الزميل مرسيل غانم في مضمون حلقته، بل قد نختلف على الأرجح.. لكن القضية لم تعد تعني مرسيل غانم أو "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، كما أنها لم تكن تعني قبل فترة محطة "تلفزيون الجديد".. القضية تطال كل الحريات في لبنان، ونحن واثقون أنك لن تربحها.

كان يفترض أن يكون النقاش في زمن مختلف.. لكننا نسأل: لماذا يريد البعض تشويه إنجازات رئيس الجمهورية؟ ولماذا يريد البعض أخذ البلد إلى نقاشات جانبية بعيداً عن القضية التي تشغل اللبنانيين ويتولى رئيس الجمهورية التصدي لها بحنكة ووعي وصلابة وإدراك ووطنية؟!

الجواب لا يحتاج إلى كثير من التفكّر.

خضر طالب
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.