انكشفنا

فجأة دبّ فينا الشعور بالانتماء الوطني!

كنّا قد نسينا أننا لبنانيون.. كان كل واحد منّا قد التحق بمعسكر انتمائه الطائفي والمذهبي.

استيقظنا فجأة ووجدنا أن "العدو"، كل عدو، لا يميّز بيننا ولا يقتلنا على الهوية.

كنّا نظنّ أن "العدو" يشبهنا، نحن الذين أقمنا الحواجز على الهوية، وخطفنا على الهوية، وقتلنا على الهوية، ونوظّف على الهوية، ونحمي المخالفين والمخالفات على الهوية، ونتقاسم مغانم السلطة على الهوية، ونوزّع "مساعدات" الدولة على الهوية، ونعقد الصفقات ونحصّل السمسرات على الهوية، ونخاصم على الهوية، ونتقاتل على الهوية…!

"العدو"، أي عدو، لا تعنيه حسابات "هوياتنا" المتعدّدة الألوان.. العدو لديع "عمى ألوان"، بالنسبة إليه نحن كلنا نحمل هوية واحدة..

العدو غبي.. لو تركنا غارقين في صراعاتنا على الهوية، لكان ارتاح منّا.. لكنه غبي.. وهذا من حسن حظنا.

لم يميّز العدو بين جنود الجيش اللبناني.. هم كلّهم "كفرة" بنظره لأنهم يحملون هوية جيش لبنان.. ونحن كلنا "كفرة" بنظره لأننا نحمل هوية لبنان.

لا يقيم "العدو" وزناً لسخافاتنا.. لا يهمه إذا "انتصرنا" بتعيين موظّف من هذا المذهب مكان موظّف من مذهب آخر. ولا يعنيه إن "نجح" المسيحيون في "استعادة" موقعهم في النظام، أو إذا حافظوا على المناصفة. ولا يعنيه إذا تمكّن الشيعة من فرض "الشيعية السياسية" في النظام والسلطة. ولا يعنيه إذا تمسّك السنّة بـ"الطائف" أو سقط هذا "الطائف".

العدو مهتمّ فقط بقتلنا جميعاً.. "بالجملة والمفرّق".

أما نحن، فلم ننتبه أننا غارقون في تفاهاتنا.. لكننا عاطفيون حتى النخاع الشوكي.

انكشفنا.. كشَفَنا "العدو"..

اكتشفنا أننا لبنانيون متجذرون في انتمائنا إلى لبنان..

اكتشفنا أن دموعنا تنساق غصباً عنّا، من دون تمثيل، لأجل جندي لبناني لم نفكر للحظة واحدة إلى أي طائفة ينتمي.. نعرف فقط أن طائفته هي الجيش اللبناني وأن هويته لبنانية.

انكشفنا.. أذرفنا دموعاً على شهداء الجيش من كل الطوائف والمذاهب.. تسمّرنا أمام شاشات التلفزة نتابع بحسرة وألم كيف ندفن شهداء لبنان.

اكتشفنا ان هؤلاء الشهداء منحونا بشهاداتهم أرفع الأوسمة لأننا توحّدنا خلف نعوشهم وعلى دمائهم..

اكتشفنا أن السنّة والشيعة والدروز لديهم القرآن نفسه! وأن المسيحيين ليسوا من كوكب آخر!

اكتشفنا أننا نحب بعضنا من خلال حبّنا للجيش..

اكتشفنا أن بيننا قواسم مشتركة كثيرة وأن ما يفرّقنا قليل وتافه.

اكتشفنا أننا لبنانيون..

هل نشكر "العدو" مثلاً لأنه ذكّرنا أننا بالنسبة إليه واحد لأننا ننتمي إلى وطن واحد؟

أم نشكر شهداء الجيش الذين وحّدوا الوطن بــ"شرفهم" و"تضحياتهم" و"وفائهم"؟

هل استيقظنا من أوهامنا، أم أننا نحتاج في كل مرّة إلى شهداء لكي نتذكّر أننا شعب واحد في بلد واحد، نشبه بعضنا ونقف مع جيشنا ونتوحّد خلف دماء شهدائنا.. كي يبقى لبنان واحداً موحداً؟

انكشفنا أننا لبنانيون بالفطرة.. فلنتمسّك بالجيش ولنتماسك خلفه بالقرار الذاتي والإرادة الواعية.. كي يبقى لنا لبنان.

خضر طالب

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.