خارج "العواطف الجيّاشة"

تكثر "العواطف الجيّاشة" في عيد الجيش.. تتوالى مواقف الإشادة بالمؤسسة العسكرية ويتعالى التصفيق لهذا الجيش.

لكن هذه "الموجة الموسمية" ما تلبث أن تتحوّل إلى كتابة على الثلج سرعان ما تذوب في المحطات "الساخنة".. والباردة أيضاً!

طالما البلد بخير، لا أحد يسأل عن الجيش.. إلا إذا كانت له حاجة فيه. تكثر الطلبات من الجيش، وهي في مجملها طلبات "انتخابية": تطويع جنود ورتباء وضباط.. تعيينات.. تشكيلات ومناقلات… لكن هذا الجيش نفسه يتبرأون منه سريعاً وتُشهر في ظهره الخناجر والسكاكين.. وكل سلاح غادر أسود، عندما تدعو الحاجة السياسية إلى استهداف هذا الجيش والطعن فيه وإضعافه وتعطيل دوره والتشكيك بصدقيته…

يظنّ الضباط المتخرجون من المدرسة الحربية أن السيوف التي يتسلّمونها عند تخرّجهم إنما هي سيوف الحق المصقولة بتفويض وطني شامل، فإذا بهم يُفاجأون أن السياسة تريد السيوف في خدمة أهدافها.. وإلا فإن الخناجر المسمومة ستفعل فعلها في ظهر الجيش.

ماذا لو لم يكن عندنا جيش؟

المعادلة بسيطة جداً: جيش = نظام + انتظام + أمن + أمان + استقرار + اطمئنان + مظلّة حماية… دولة.

في غياب الجيش تسقط كل هذه المعادلة.

ما جرى ويجري في محيطنا، في العراق وسوريا واليمن وليبيا، هو تأكيد على هذه المعادلة.

عندما تم حلّ الجيش العراقي، سقط العراق في نهر الدمّ.

وعندما انقسم الجيش في اليمن انقسم البلد. وعندما تعرّض الجيش في سوريا للإضعاف غرقت سوريا في حمام الدم وتمزّقت بلاد الشام.

نحن في لبنان كانت لنا الأسبقية في هذه التجربة الحمراء. عندما خسرنا وحدة الجيش خسرنا لبنان، وعندما صدر القرار بتوحيد البلد لم يكن هناك سوى الجيش كرمز لهذه الوحدة وضامن لها وحامٍ للإستقرار.

يفترض أن تكون الثقة بالجيش هي حجر الزاوية في حماية البلد، لكن هذه الثقة المشروطة تكبّل الجيش وتقيم المحميات الأمنية ـ السياسية التي تهدّد الاستقرار.

هل حان الوقت لإطلاق يد الجيش في حماية لبنان وحفظ الوحدة الوطنية وصيانة الاستقرار وفرض الأمن وإلغاء "الامتيازات"؟

هل حان الوقت كي يكون الجيش هو صاحب القرار الأمني المطلق؟

كيف نحاسب الجيش بينما لا يملك هذا الجيش التفويض الجدي، وليس النظري والإنشائي، لفرض الأمن الشرعي في كل زاوية من البلد؟

كيف يبيح البعض لنفسه أن رسم حدود لدور الجيش عند خط مصالحه المذهبية والسياسية والشخصية.. ثم يحمّل الجيش مسؤولية وجود هذه "الجزر الأمنية" التي تكاد تكون "مناطق حرّة" في الأمن والسياسة والاقتصاد والتهريب والتحشيش وتجارة السلاح والمخدرات وملاذ المطلوبين بجرائم كبرى وصغرى؟!

لا نقل إن الجيش منزّه أو أن ضباطه ورتباءه وجنوده من الملائكة.. لكن، أليست "أخطاء" الجيش أفضل من "شيطنة" زعران السياسة والسلاح؟

فلنستغل "الموجة" في عيد الجيش لنقول كلاماً آخر، من خارج سياق "العواطف غير المنتجة".

ربما نحتاج إلى عقد وطني شفاف حول الجيش. ماذا نريد من هذا الجيش؟ ما هو دور هذا الجيش؟ ما هو سقف الحرية الممنوحة لهذا الجيش في اتخاذ القرار بحماية السلم الأهلي؟

البلد ليس ممسوكاً ولا متماسكاً.. كفى أوهاماً.. نكذب الكذبة ونكون أول من يصدّقها.. البلد منقسم، لكن فرصة التعبير عن هذا الانقسام تمنعه سلّة مصالح سياسية داخلية وخارجية. المؤسسة الوحيدة التي ما تزال تشكّل رمزاً لوحدة البلد، هي مؤسسة الجيش.

تعالوا نقيم عهداً وطنياً حول هذا الجيش ليحمي وحدة البلد، ونحمي مستقبل أولادنا.. تعالوا نحمي لبنان بحماية الجيش.. تعالوا نحتمي جميعاً بمجد الجيش.. ليحيا لبنان.

خضر طالب

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.