استقالة آلان بيفاني… آخر المدافعين عن خطة الحكومة الإصلاحية؟

أراد مدير عام وزارة المال آلان بيفاني لاستقالته أن تشكل صدمة إيجابية، وأن تجبر ما بات يعرف بـ"حزب المصارف" على الانكفاء إلى الوراء، ليعرف هذا الحزب "حجمه" ويدرك بأن حجم خسائره المصرفية "ما بتحرز" إن اعترف بها، أمام خطر خسارة لبنان مفاوضاته مع صندوق النقد.

واليوم تخلّص بيفاني من "عبء 20 عاماً" قضاها في وزارة المالية، عاصر خلالها عدة وزراء مالية، لم يكن الرجل على وفاق مع معظمهم، بل أن دوره قد تقلّص إلى حد كبير لا سيما في عهد وزيري المالية السابقين فؤاد السنيورة وعلي حسن خليل.

ويبدو أن بيفاني وصل إلى قناعة مفادها أنّ بعض من يقودون المركب اللبناني، لا يريدون له النجاة، فقرر بيفاني تحريك "المجداف" بقوة، علّ هؤلاء يشعرون بالأمواج العاتية، لـ "يلحقوا حالن" قبل وصول الموجة الكبرى، والتي قد تقلب المركب، بمن فيه!

وليست استقالة بيفاني ابتزازاً لأحد، فهو "لن يتراجع عنها"، كما أنه لا يستجدي موقعاً جديداً في الدولة، في زمن لا يُحسد المسؤولون عليه، بل جلّ ما أراده هو تكوين صدمة ايجابية للدفع نحو الأخذ بأرقام خطة الحكومة الإصلاحية، لكسب المفاوضات مع صندوق النقد، عوض التعنت الحاصل لدى المصارف والأحزاب السياسية التي تدافع عنها، والتنكر لخسائر القطاع المصرفي، وإيهام الناس بأن خطة الحكومة تريد الاجتزاء من أموالهم في المصارف، فيما الحقيقة هي العكس.

وربما لم يشأ بيفاني أن يكون الانهيار على أيامه، فهو من أبرز معدّي الخطة الاقتصادية، وهو من قام باحتساب أرقام سلسلة الرتب والرواتب، التي حُمّل مسؤولية كسرها لظهر الخزينة، فيما بحسب بيفاني، فإن التوظيفات العشوائية والقطاعات التي أضيفت لاحقاً إلى السلسلة، هي التي جعلت الدولة غير قادرة على تحمل كلفة إقرارها.

مؤتمر الاستقالة

وفي مؤتمره الصحافي الذي شرح فيه أسباب استقالته، ذكّر بيفاني أن "المقاربة التي اعتمدتها خطة الحكومة وضعت تقويماً صحيحاً، وحصلت على ترحيب من المؤسسات المالية بالجدية اللبنانية في مقاربة الأمور"، مشيراً إلى أن "الخطة تناولت ضرورة استرداد الأموال المنهوبة وضرورة الإصلاح الشامل للنظام".

وقال: "يبدو أن النظام استخدم شتى الأنواع لضرب الخطة الحكومية، وأظهروا بأننا فاسدون، ولكن سيكون للقضاء الكلمة الفصل لهذه الاتهامات الرخيصة"، لافتاً إلى ما أعلنه صندوق النقد الدولي من أن "أرقام الحكومة ومقاربتها هي الصحيحة".

وأوضح أن "قيمة الودائع التي خرجت من المصارف هي 17.3 مليار دولار"، مشيراً إلى "أن توزيع الخسائر الصافية يكون بنحو 61 مليار دولار ونقدي استرداد 10 مليار دولار من الخارج"، كاشفاً أن المصارف ومن يقف خلفها في الحكم "لا يريدون أن يمس بكل الأرباح الماضية بل أن يدفع الشعب الثمن بدل إعادة البعض جزءاً من الأرباح من الخارج إلى المصارف".

وأشار إلى أن "اللبنانيين يتعرضون للهيركات نتيجة عدم تطبيق خطة الحكومة وليس العكس"، مشدداً على أن "المسؤول عن ودائع الناس هو المصرف ولا دخل للمودع بما فعله المصرف بالأموال".

وعن استقالته قال "اخترت أن أستقيل لأنني أرفض أن أكون شريكاً أو شاهداً على الانهيار"، فـ"قوى الظلمة والظلم تكاتفت لإجهاض ما قمنا به ومارست أكبر عملية تضليل لحماية مصالحها على حساب مصلحة المجتمع بأكمله".

ولفت بيفاني إلى "اننا مشرفون على مرحلة جديدة من الإستيلاء على أصول اللبنانيين بالمواربة مع نتيجة معروفة مسبقاً وهي سحق الطبقة غير الميسورة وتحميل بعض الفئات الأكلاف الباهظة إضافة إلى تدهور العملة مع غياب أيّ برنامج إصلاحي وتأجيل الحلول"، محذراً من مغبة "تحويل دولارات المودعين إلى ليرة لبنانية بالقوة قبل المزيد من التغيّر في سعر الصرف وتجميد أموال المودعين بشكلٍ يُفقدها نسبة مرتفعة من قيمتها ويحرم أصحابها من استعمالها وذلك لإنكار وجود الخسائر وعدم تحمّلها من قبل من يجب عليهم تحمّلها".

وإذ دعا "لرفع السرية المصرفية كاملة"، أشار إلى أن ما يُعيد الودائع هو "محو الخسائر بإعادة الرسملة وليس إطالة الآجال".

والمشكلة برأي بيفاني هي أن "خطة الحكومة ولدت يتيمة ولم تلقَ الدعم لشرحها والجميع خضع لخطاب يضع اللوم على الدولة لكسب تعاطف الناس الشاكية من هذه الدولة".

ولفت أخيراً إلى أن "الأزمة تستفحل وتقضي على ما تبقّى من فرص للإنقاذ وكان لا بدّ من هيكلة المال العام والقطاع المصرفي وتنفيذ الإصلاحات البنيوية المؤجلة ضمن رزمة واحدة".

ولم يقم بنعي المفاوضات مع صندوق النقد، ولكن برأيه "لا بدّ من قفزة نوعية سريعة وأداء مختلف لكي يُعطى حظّ لهذا المسار".

صفعة للمصارف… وداعميها

ولم يقم بيفاني بلوم أسماء بعينها رغم إلحاح الصحافيين عليه، فهو ليس هنا "لذكر الأسماء"، إلا أنه ليس خافياً على أحد بأن النائب ابراهيم كنعان بصفته رئيس لجنة المال والموازنة، هو المدافع الأول عن أرقام الخسائر التي تتبناها المصارف، وهو الذي هاجم رئيس الحكومة حسان دياب منذ أيام عبر تغريدة له، دفاعاً عن المصارف، ودفعاً لتبني الأرقام التي وصلت إليها اللجنة النيابية، وهي أرقام لا تتوافق مع رؤية صندوق النقد ولا مع أرقام الخطة الحكومية، إلا أنها تتوافق مع مصلحة المصارف!

وفي أول موقف دولي على استقالة بيفاني، اعتبر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش أنّ "استقالة بيفاني، الخبير المعروف دولياً، تعد خسارة للبنان خلال الأزمة الشاملة التي تزداد وطأتها سريعاً في البلاد". وأكّد كوبيتش أنّ تحدي العمل من خلال "وحدة الهدف" لا يزال من المسائل الأساسية التي تواجه لبنان.

والنقطة الأخطر اليوم، والتي لفت إليها بيفاني، هي أنه حتى تلك الأرقام التي أعدتها الحكومة في خطتها قد تصبح غير مواكبة للتغييرات الحاصلة، فالليرة تغيّر سعر صرفها، والأزمة تستفحل.

فهل تلقى الصفعة التي وجّهها بيفاني لحزب المصارف اليوم صدى، فتعيد لكل ذي حجم حجمه، أم أنها لن تزيد المصارف والمدافعين عن مصالحها إلا تعنتاً، فيبقى بيفاني آخر المدافعين عن خطة الحكومة، عبر استقالته؟

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.