مقاتل سابق في الحرب الأهلية للرقيب: هكذا نجوتُ من الموت! "القضية كلا كذب بكذب"… فهل "يعتبر" اللبنانيون؟

فتات عياد

45 عاماً مرت على حادثة "البوسطة" التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية في لبنان، وما زالت ذكراها تخيم على النفوس، بعد أن "حُجر" على متاريسها وحواجزها في القلوب. ورغم أن الانتفاضة الشعبية أزالت الكثير من تلك "المتاريس" و"الحواجز"، لكن بعضها بقي عصياً على الإمحاء!

البعض يقول أنها "حرب الآخرين" على الأرض اللبنانية، لكن البعض الآخر يرى في هذه العبارة تهرباً من المسؤولية، أو دفناً للرؤوس في التراب، فهي "حربنا نحن على أرضنا نحن"، و"نحن الذين استعنّا بالآخرين، ضدنا نحن"!

وإذا كانت كل الأطراف المتحاربة وقتها، تختلف اليوم في "جردة الحساب" على أسباب الحرب، لكن أحداً لا ينكر نتائجها ومخلفاتها، فهي أسفرت عن مقتل أكثر من 120 ألف لبناني، وهجّرت أكثر من مليون شخص، وأخفي أكثر من 17 ألف لبناني قصراً، هذا غير الدمار والخراب، و"طمر" معالم الدولة، لمصلحة ميليشيات و"زعامات الحرب"!

الجميع خرج خاسراً من المعركة، إذ لم ينتصر يوماً لبناني على لبناني. فما هي نظرة الذين شركوا في الحرب، عن تلك الصفحة القاتمة من حياتهم؟

يروي أحد المقاتلين القدامى في الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975 واستمرت حتى عام 1990، عن سبب انغماسه في تلك الحرب. وقتها كانت بيروت قد قسمت إلى منطقتين، منطقة "غربية" ومنطقة "شرقية"، وكل منطقة كانت تخضع لنفوذ حزبي يسيطر عليها، وكان الانقسام على أشده بين قوى اليمين وقوى اليسار آنذاك، ومع هذا استمر سامي (اسم مستعار) يالذهاب يومياً إلى عمله الكائن في "الضفة" الأخرى من بيروت، وهو لم يدخل نفسه في أتون الحرب، وبالرغم من أن صاحب عمله كان من ديانة أخرى، لكن علاقتهما لم تتأثر بما كان يجري في ساحة المعركة، وظن سامي أن السعي وراء رزقه أمر مقدس، لن تحرق "قدسيته" نار الحرب…

وفي طريقه إلى العمل ذات مرة، قام الحزب المسيطر على المنطقة حيث يعمل بتوقيفه "عالحاجز"، وأخذوه لـ"يقتلوه"، إذ كان القتل يسري "على الهوية" في ذلك اليوم، وكانت ديانة سامي سبباً كافياً لإدانته آنذاك، فالموت يجرّ الموت، تماماً كالأوبئة، وهو ينقل عدوى القتل والتشفي بين الأحزاب، بدم بارد، وباسم الديانات!

عندما حان دوره، كانت الآلة الحادة تتحسس رقبته، تماماً كما حصل مع الذين ماتوا أمام عينيه، كان سامي يعد اللحظات الأخيرة قبل موته، وكان جسده يقشعر من الخوف، أما شريط الذاكرة فمرّ بسرعة، ولم يكن شيء متوقعاً سوى الظلام بعد الموت… وفي خضم تلك الأفكار التي مرّت كسرعة البرق في رأسه، علا صوت أحد المحازبين يصرخ برفيقه الذي يحمل الآلة الحادة ويوشك على ضرب سامي بها، فقال المحازب لرفيقه: "لحظة، هيدا بعرفه…".

صحيح أن سامي كان "من الآخرين"،  أي من "الديانة الأخرى"، ومن "الضفة الأخرى" من بيروت، لكن الرجل المحازب تعرّف عليه، وكان ذلك أشبه بالنجاة في اللحظة الأخيرة. ولدى سؤاله عن سبب تدخل ذلك المحازب لإنقاذه من الموت، يقول سامي "ربما صعب عليه أن يرى شخصاً عرفه في أيام السلم، يموت أمام عينيه في أيام الحرب".

هرب سامي من الموت لكنه لم يستطع الهروب من مصيره المحتم، فكانت تلك الحادثة محورية في حياة شخص لم يرد لنفسه خوض الحرب، قبل أن يقف الموت على بعد عدة سنتيمترات من رقبته، حينها قرر الانتقام، كي يردّ لنفسه "الاعتبار"، فـ"انغمس" في الحرب مع الجبهات المضادة للحزب الذي كانت ستنتهي حياته على يديه. صحيح أن سامي نجا من الموت، لكنه وقع ضحية القتال على الجبهات!

ولدى سؤاله عما إذا كان مؤمناً وقتها بقضية الحزب الذي قاتل في صفوفه، يقول: "القضية كذب بكذب"، وهي "مصالح سياسية متضاربة"و "لا علاقة للناس بها". فالأطراف والزعامات المتنازعة على السلطة "علّقوا العالم ببعضا".

بنبرة حادة تشبه مآسي الذكريات العالقة بين الجبهات، يبسّط سامي تلك الحرب، فيشبّهها بنزاع بين شخصين: "كأنو حدا تخانق مع حدا"، فـ"غطسنا نحنا في الحرب" و "كنا ضحايا صراعات الزعما".

وعن إمكانية انزلاق الجيل الجديد في حرب لأجل هذه "الزعامات"، يقول سامي :"عندما يعيش الإنسان عيشة كريمة لن يرمي بنفسه إلى النار لأجل أحد، لكن البطالة والفقر، يجعلان الإنسان يبيع نفسه وأهله لأجل عدة قروش". ومع هذا فـ"اللبنانيون يعرفون من سرقهم"، وإذا كان 13 نيسان ذكرى للحرب الأهلية، فهذا التاريخ هو "عبرة للأجيال القادمة التي يجب أن تقرأ التاريخ لتعرف الحقائق، وكي لا تقع في الأخطاء القاتلة".

كسرت ثورة 17 تشرين حواجز لم تستطع على كسرها سنوات السلم بعد الحرب، فكانت مسيرة أمهات الشياح وعين الرمانة، وأمهات التباريس والخندق الغميق، "درساً" لزعامات لطالما استرخصت أرواح "ولاد الناس". ورغم أنه لا يوجد كتاب موحد لتاريخ اللبنانيين، لكنهم سوياً اليوم، يكتبون المستقبل!

 

 

 

 

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.