عن الحكومة الأنموذج ووزير الداخلية الإنسان

نورما أبو زيد

على الرغم من توالي الكوارث السياسية والاقتصادية والطبيعية على حكومة حسان دياب، نجح الأخير مع أعضاء حكومته بتظهير صورة مطابقة لصور حكومات الدول الديمقراطية الراقية التي تُعلي مصلحة مواطنيها. في استحقاق الـ "يوروبوندز"، قدّم دياب صورة مسؤولٍ مسؤول، وواجه مع حكومته جيشاً من سماسرة الدين العام، امتصّ حيوية البلد الاقتصادية على مدى سنوات لصالح حساباته المالية الخاصة وصناديقه. وقد خرج دياب منتصراً في حربه معهم رغم الطابع السلمي الذي تتسم به حكومته. والـ Portrait نفسه قدّمه دياب في استحقاق المارشال كورونا، الذي دهم جيشه لبنان دون أن يستأذن حكومته. فكانت الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة اللبنانية أكثر تقدماً وفعالية من تلك التي اتُّخذت في الدول الغربية، على الرغم من صفر الاعتمادات، ما حدا بلبنانيين كثيرين للمطالبة بالعودة إلى لبنان بعدما سلكوا طريق الهروب مع بداية تفشّي كورونا، اعتقاداً منهم أنّ كلّ دول العالم أكثر أمناً وأماناً من لبنان، وإذ بحكومة دياب تثبت العكس.

منذ تكليفه بتشكيل الحكومة، أدرك دياب أنّ إقامته في السرايا الكبير ليست نزهة، على غرار نزهات رؤساء الحكومات الذين توالوا قبله، أيام البحبوحة الاقتصادية المصطنعة، التي قامت على الاستدانة ومن ثمّ الاستدانة دون أدنى شعور بالمسؤولية. ويوم تمسّك بتشكيل الحكومة رغم العصي السياسية التي وُضعت في طريقه، إنّما أصرّ من منطلق حرصه على هبوط شبه آمن بالطائرة اللبنانية، حيث يتضرّر الركاب دون أن يهلكوا.  وقد لمس اللبنانيون الذين خلع بعضهم رداء أحزابه الفرق بين حكومات التفرقة الوطنية التي كانت تجمع كلّ الأحزاب الجائعة على طاولة السرايا، وبين حكومة دياب المسؤولة التي تجمع خامات فيما خلا بعض الاستثناءات التي لا تقدّم ولا تؤخّر كثيراً.

دياب الذي فاجأ القيادات السياسية سلباً أثناء تشكيله للحكومة جراء تمتعه بـ "ركب" صلبة، حرمتهم متعة تراجعه عن تشكيل الحكومة، فاجأ اللبنانيين إيجاباً بقدرته اللا متنهاية على التعامل مع الأزمات التي تتوالد وتتناسل.

نجح دياب بسرعة قياسية في اكتساب إعجاب وثقة اللبنانيين بمختلف تلاوينهم وانتماءاتهم، ولكن من الواضح أنّ هذه الثقة التي محّضه إياها اللبنانيون، لم ترُق للقيادات السياسية التقليدية التي يتّخذ بعضها موقف المتفرّج على دياب وهو يتخبّط بمشكلات ورثها منهم، وبعضها الآخر سحب سلاحه على الحكومة لأنه يريد جبنته المعتادة بالرغم من حراجة الأوضاع على مختلف المستويات.

المتفرّجون والمقاتلون يتمنون أن تتعثّر حكومة دياب حتى ولو عنى ذلك دخول البلد في المجهول، لأنّ استمرار هذه الحكومة سيعني حرمانهم من جبنتهم المعتادة، ونجاحها سيعني إرساء نموذج سياسي جديد. وقد لا يتأخّر المتفرّجون مع أوّل انفراجة من كورونا في الانضمام إلى الذين شهروا سلاحهم في وجه الحكومة دفاعاً عن مغانمهم ومكتسباتهم.

قبل زمن كورونا، عرابو 8 و14 آذار، من سفراء الصلاحيات المنتفخة في البلد الذي "زمّت" كرامة سياسييه إلى حدّ الامّحاء نتيجة حكم القناصل، لم يبخلوا بالمطولات في التعبير عن إعجابهم بأداء الحكومة اللبنانية. ورغم ممارسة الجسم الدبلوماسي المعتمد لدى لبنان سياسة الحجر التي تمنعه من التواصل المباشر مع الجسم الإعلامي، عجز أحد الدبلوماسيين الغربيين عن كبت انبهاره بوزير الداخلية العميد محمد فهمي، واتصل بأكثر من صحافي ليسألهم عن "الوزير الإنسان" بحسب ما عبّر، الذي شرّع أبواب الداخلية لسائق تاكسي أحرق سيارته بعد مخالفة نُظّمت بحقّه من قوى الأمن الداخلي في معرض تطبيقهم لقرار حظر التجوّل.

الدبلوماسي طرح سؤالاً واحداً على جميع الذين اتصل بهم، حول حقيقة "اللمة" العائلية التي قام بها وزير الداخلية محمد فهمي والتي أفضت إلى مساهمته ومساهمة شقيقته ونجله في دفع ثمن السيارة المحترقة لسائق التاكسي، كي لا يساهم من خلال تطبيقه الصارم للقانون بتجويع عائلة تعاني أصلاً من مشكلات اقتصادية. وكان الدبلوماسي يشدّد في ختام اتصالاته على جملة وحيدة: هذه حكومة استثنائية في تاريخ الجمهورية الثانية. تشبثوا بها بأسنانكم لأنّ رحيلها سيأتي بالطوفان!

 

(شارك هذا المقال)

One thought on “عن الحكومة الأنموذج ووزير الداخلية الإنسان

  • 1 نيسان، 2020 at 8:48 ص
    Permalink

    رئيسها لا غبار على نزاهته ومناقبيته ووطنيته.ولكن نحتاج تفسير واحد ،إذا كانت بمجملها حكومة نموذج ،ما الهدف من توقيف التشكيلات القضائية.

    Reply

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.