أزمات وفساد.. وثورة غاندي

بسام ضو (*)

 دُعيت إلى ندوة فكرية ـ سياسية من قِبَل "المركز الأكاديمي للأبحاث" عن الأزمات في لبنان ومسبباتها. وبعد خبرتي السياسية المتواضعة التي كوّنتها من خلال نشاطي الأكاديمي والحزبي، أرى أنّ الأزمات في لبنان لم تكُن وليدة الصدفة، بل هي مزيج من تراكمات سياسية ـ أمنية ـ اقتصادية ـ اجتماعية، أدّت إلى انفجار أزمة كبيرة في البلاد راكمت حربًا ضروساً فتكت بالدولة ومؤسساتها الشرعية وأفرزت أمرًا واقعًا سياسيًا نعيشه اليوم وهو غير مألوف التوصيف في أي علم، لا بل هو مسار سياسي ـ أمني ـ اقتصادي ـ اجتماعي مُعيب ويتواجد في البلدان المتخلفة، ويخجل أي مجتمع من تبّنيه.

حربٌ ضروس ضربت لبنان وكانت متعددة الأوجه. منهم من استغّل القضية الفلسطينية العربية المقدّسة للوصول إلى مآربه. هذا على المستوى اللبناني. أما على المستوى العربي فكانت عين الشام على لبنان من خلال تبّني قضية فلسطين ظاهريًا، والهدف كان إبعاد وحول القضية الفلسطينية عن الأرض السورية، فكان الدخول السوري تحت ستار حماية السلم الأهلي ولكن بِبُعدين: الأول، محاولة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية تدريجيًا. والثاني، احتلال لبنان وجعل أرضه موطئًا لمنظومة الرئيس الراحل حافظ الأسد كي لا تنتقل عدوى الحروب إلى أرضه. في كلا الهدفين هناك مستفيد واحد وهو العدو الإسرائيلي. علمًا أنّ الكثير من المؤرخين لا يستبعدون تنسيقًا بين العدو والسوريين في مراحل سابقة، وكلها أمور موّثقة نتمنّى أن يأتي يوم وتُكشف للرأي العام، والدليل القبضة الحديدية للنظام السوري على لبنان وعلى الفلسطينيين بغطاء عربي ودولي، إلى أن استطاع مناضلو لبنان من إرساء علاقات لبنانية ـ دولية أثمرت بعد جُهْدِ جهيد إصدار قرار عن مجلس الأمن الدولي يحمل الرقم 1559… وقد كنت من عِداد المناضلين الذين سعوا وفق الأطُر الممكنة إلى إقناع المجتمع الدولي أنّ وثيقة الوفاق الوطني بخطر ويلّفها الموت الحتمي، ولن تستقيم الأمور إلا من خلال إصدار قرار أممي يُعيد الأمور إلى نصابها… فكان القرار، ولكن فوجئنا بمجموعة سياسية تسللت إلى السلطة خلسةً وباعت واشترت ووصلنا إلى ما نحن إليه من أزمات...

 ينتابني الشعور بين الحين والآخر أنّ السياسيين اللبنانيين هم في حالة صحية سياسية سليمة، بالرغم من أن كل المؤشرات تدل على أنهم جماعات متناحرة متخاصمة تمتهن الكذب وتضليل الرأي العام، وتُسيِّس الأمور وفقًا لمصالحها الخاصة ولمصالح من تأتمر لهم داخليًا وإقليميًا ودوليًا. وبات المشهد اللبناني رماديًا مع استمرار حالة الانقسام السياسي والطائفي وفشل محاولة الوحدة، وتغليف المصالح الحزبية والطائفية على المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، وخاصة في ظل إنكشاف المجتمع الدولي من الانقسام اللبناني والفوضى الخلاّقة التي تُعتبر وفق وجهة نظرهم قائمة في لبنان…

إنّ المجتمع الدولي- وليكُن معلومًا عند كل المعارضين وتحديدًا البطريرك الماروني والذي نعتبره آخر حصن منيع من أجل قيام دولة موّحدة ـ لن يسعى هباء في سبيل تسهيل هذا العهر السياسي القائم وإغراق الدولة بمؤسساتها المدنية والعسكرية في آتون سياسة هوجاء، بالتزامن مع محاصرة المناضلين والتضييق عليهم، ثم تعميم ثقافة الفساد والترف والثراء الفاحش لهؤلاء السياسيين على حساب الفقراء المهّمشين… وكل ذلك من أجل فرض عدّة منظومات سياسية يسعى المجتمع الدولي إلى فرضها بالحيلة، وهذا أسلوب تلجأ إليه بعض الدول لتسوية بعض الخلافات، وأذكر منها على سبيل المثال ولا الحصر ما يُعرف بـ"صفقة القرن" وتلك العملية تُريح العدو وتُرهق الدول المشرقية وفي طليعتها الدولة اللبنانية التي تفتقد لأي مظهر من مظاهر مقاومة تلك الصفقات وأقصد التوطين، وقد كَثُرَ في الآونة مقولة "إعطاء الجنسية لنساء متزوجات من أجانب" وكلها تصب في خانة التوطين والتجنيس اللذين يفتقد لبنان قانونيًا ودستوريًا أي معطى لرفضهما، ويكفي أن أستشهد بما حصل من تجاوزات فلسطينية مبرمجة إزاء قرار وزارة العمل وكلها أمور يُعاقب عليها القانون، هذا إذا كان هناك من سلطات تُحاسب، ولكن للأسف هناك سلطات تُساوم وتتبدّل وتتراخى وتُساوم وتُساير على حساب مصلحة الوطن والسيادة والديمغرافيا وحُكام يتنازلون ويّكذبون ويدعون المحافظة على الوطن ومؤسساته الشرعية...

 الانقسام السياسي وازدواجية السلطة، هذان الأمران أثرّا سلبًا على عمل المؤسسات في الدولة اللبنانية. كما الصراع والتنازع على الصلاحيات والأموال، أمور حدّت من حرية تحرك المناضلين، كما نلاحظ انقسامًا سياسيًا وجغرافيًا لمؤسسات الدولة وأجهزتها، وهذه الأمور تُخالف ما ورد في دستور الدولة وتحديدًا المقدمة وبشكل أدّق ما ورد في الفقرة /ز/ من المقدمة والتي تنص على "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام". وهذا ما أدّى إلى تفكُك المؤسسات وضعف سيطرتها وقدرتها على إيصال الخدمات إلى مختلف أنحاء الأراضي اللبنانية. وكَثُرت في هذه المرحلة المظاهرات التي تشكو من الحرمان، وكل هذا بسبب تداعيات الانقسام والتناتش على المؤسسات السيادية وعدم تحييد المؤسسات الخدماتية، ممّا أدّى ويؤدّي إلى واقع انقسامي يعيشه المواطن ويتضرّر منه ويؤثر سلبًا على المواطنين.

 أزمة عدم تطبيق القانون، وعمليًا تصدر القوانين تباعًا وبشكل رسمي عن الجهات الرسمية المختصة ويتم نشرها في الجريدة الرسمية لتنفيذ مقتضياتها من طرف الإدارات المعنية والتي يُفترض فيها قانونيًا أن تكون على علم بما يتوّفر من قوانين معمول بها. وبناءً عليه لا يُعذر أحد الإغفال ببدء سريان المبدأ القانوني المتعارف عليه، وهو عمليًا لا يُعذر أحد بجهله للقانون أو بتعطيله أو تغاضيه، ولكن هذه الأمور تحصل في لبنان وتوّلد أزمات كبيرة تكاد تقضي على صيغة السلم الأهلي أو تقضي على وضع الدولة القانوني… وإهمال القانون في لبنان أزمة مستفحلة فلصوص سرقة المال العام، وبالرغم من القانون المعجّل المُكرر الذي رفعه النائب سامي الجميّل وفقًا للأصول إلى هيئة مكتب المجلس ما زال عالقًا منذ سنة ونصف. ويأتيك من يقول: "تعهدت بإرجاع المال المنهوب، ورفعنا قانونًا بهذا الإطار…"، وهو عمليًا لم يحرّك ساكنًا إزاء ما ذكره في خطابه، فلصوص المال العام يسرحون في البلاد بكل طمأنينة وتجدهم يومي الجمعة والأحد في الصفوف الأمامية في دور العبادة...

 إنّ عواقب الإفلات من العقاب وخيمة على المجتمع برمته، لأنه عندما لا يُحاسب المرتكب على الجرائم التي ارتكبها يعطي الانطباع لآخرين بأنّ القانون لا يُطبّق إلاّ على الذين لا يملكون ما يدفعونه للقيّمين على تنفيذه. وهنا تكمن خطورة أزمة عدم تطبيق القانون… أزمة فلتان السيادة، أزمة فلتان الحدود، أزمة فلتان السلاح اللاشرعي، أزمة فلتان تهريب البضائع دون بدل جمركي، أزمة الفلتان السياسي ـ الأخلاقي، أزمة عدم تطبيق القوانين، أزمة تزوير إرادة الشعوب ومنها الشعب اللبناني. والنتيجة هي وطن أقل سلامًا وأقل ازدهارًا وأزمات تتراكم، ووطن أقل براعة في التصّدي للتحديات والأزمات التي يواجهها مقارنة بحال بعض البلدان المستقرّة… أينما تولي وجهك أيُّها المناضل تجد أوغادًا… واقع ميؤوس منه حقًا، ومن منطلق غيريتي على وطني وقوميتي ولبنانيتي التي أناضل لأجلهما مع أنبل الوجوه، أدعوكم إلى ثورة "غاندية"، ومعروف أنّ المناضلين الشرفاء أساس تقدّم الأوطان والشعوب وازدهارهم، وتمثل هذه الفئة دينامو الثورة ومحركها الرئيس لتحقيق الاستقلال الحقيقي والسيادة الناجزة والتّامة والمستدامة، ونحن قوّة الوطن لتحقيق استقلاله وكينونته وهويته الوجودية، حيث لا سبيل للخروج من هذه الأزمات سوى بتغيير تلك الطبقة الفاسدة التي تحكم العملية السياسية والتوجه نحو سياسة مستقلة تحتكم إلى العلم السياسي وعلومه ولا سبيل سوى ذلك مهما قالوا وتكاذبوا… الحل واضح وما من سبيل غيره: الثورة على السياسيين الفاسدين.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.