"الثورة التصحيحية" لولادة "اللبنان المنطقي"

 / الياس عقل خليل /

لم نكن نتصوّر أن شعباً أقام وطناً وسط جوار عدائي، بذكاء العقل، وقوة المبرر، وإيمان الحرية، وحق الحياة، يقدم أحفاده على التنكّر لهذا الوطن وجهله، ويسهمون في انهائه.

هذا ما حصل للموارنة، وهذا ما حصل للدروز. فالمارونية السياسية المعاصرة، وهي تجهل البدايات الحقيقية للمارونية الأولى ومن ثمّ للمارونية اللبنانية، تمارس خيارات متناقضة تماماً للمصلحة الاستقلالية لهذه المارونية اللبنانية. أولها، التحالف مع الإسلام السني، على حساب الشريك الدرزي، وهو حليفها التاريخي في عملية إنشاء لبنان. ولقد حصل ذلك منذ أن تمّ إبعاد الكنيسة المارونية عن السلطة القيادية السياسية، وبقوة التوافق بين السلطة الإسلامية والأنظمة اللاكنسية في أوروبا ما بعد الثورة الفرنسية. وكانت هذه الكنيسة المارونية، كنيسة الرهبان الفقراء، هي الرائدة الأولى والقائدة الفعلية والمؤسسة، وكانت تتميز عن سائر الكنائس المسيحية الشرقية والغربية بكنيسة أرض وشعب، لا كنيسة التسلّط على الأرض والشعب. بعدها تسلم المدنيون (السياسيون) سلطة القرار والحكم من رهبان الكنيسة وبطريركها، وكان على رأسهم أمير شهابي، إسلامي المولد، عربي الأصل، تقنّع بالمارونية، فحكّمه العثمانيون على الجبل المتمرّد ليقضي على وحدته وعلى أخطار استقلاليته.. ففعل.

وكما المارونية، كذلك الدرزية. فلقد تحولت الدرزية لسياسة المعاصرة عن الاستقلالية اللبنانية التي هي شرط بقاء المذهب العقلاني اللاديني، وسلامة اتباعه، وسط العالم الإسلامي "المعادي".

كما تحولت بقيادتها اللامركزية، عن التحالف مع الشريك الماروني المؤسس، لتمارس الخيار المناقض، ولتتحالف مع خصمها الوجوديّ في الإسلام أو في العروبة.

حصل هذا فعلاً، منذ أن أسقط العثمانيون، بموافقة الغرب المساوم، أمير الدروز ولبنان، فخر الدين المعني الثاني، الذي بولايته الدرزية وبثقافته المارونية (وهي مسيحية رومانية) كان يمثل ذروة التلاقي الدرزي الماروني. فلقد وُجدت في الرجل الواحد، وكان هو الأمير، آمال الشعبَين المتجاورَين المتعايشَين وطموحاتهما في الحرية وفي الاستقلالية الوطنية.

لذلك شيّد فخر الدين الدرزي الماروني أول لبنان وطن متكامل في التاريخ، ولذا أسقطه العثمانيون المسلمون. ولذا أمّروا من بعده على دروز لبنان اثنين مسلمين قنّعوهما بالدرزية، وهما الأرسلاني العربي والجنبلاطي الكردي، ليقضيا معاً على الوحدة الدرزية وعلى دورها المؤسس في الاستقلالية اللبنانية، فأدّيا المهمة دون رجعة ضمير.

وقد تمّ ذلك بقطع الارتباط التحالفي بين الدروز والموارنة، بالخلافات الطائفية السهلة الافتعال، وباستعمال سرية المذهب الدرزي في غياب "حكمة العقلاء"، لتضييع حقيقة المذهب اللااسلامي، ولادخال الدروز "الجهال" في الحظيرة الإسلامية الواسعة، فابتكروا "المحمدية السياسية".

هذه الحقيقة التي ما تزال مغيبة عن المعروفات التاريخية، هي في أساس المشكلة التي يعاني منها لبنان اليوم، بجميع لبنانييه، دون أن يدرك معانيها، أو خطورتها المستقبلية. دون أن يكتشف فيها المسببات التي حولت الضرورة اللبنانية إلى قضية مزمنة، بعد أن كانت قد لقيت حلّها الوحيد الممكن في الوطن الماروني ـ الدرزي المستقل المنفتح، في الوقت نفسه، وبفضل نوعية حضارته، على كل حوار وجوار، ولكن من موقع الحرية والسيادة.

فالقضية اللبنانية، إذاً، هي غير تلك التي تطرحها السياسة المعاصرة، مدعّمة بالفكر الماروني المعاصر، وهو غير مكتمل ولا بالغ. إنها تتخذ معناها الحقيقي، وأبعادها في البحث عن الأسلوب الديموقراطي المتحضّر، الذي بات لزوماً وحتماً، لكي يتنظّم الوطن اللبناني وفق المتطلبات المستجدة والواقعية المصنّفة والتطور الحضاري الحاصل، ولكن دون التنكر للأصالة القومية في مفهوم الوطن اللبناني. دون مناقضتها، دون المساس بحتمية التحالف الماروني ـ الدرزي وجبريته، وتتخذ معناها الأهم والأخطر في البحث عن الدور المستقبلي المنقذ الذي يتوجب إيجاده، لهذا اللبنان بالذات، في مستقبل المنطقة السامية المشرقية المتصالحة.

التنكّر لهذه "الحقيقة ـ الشرط"، أو مناقضتها، ينفي حكماً بالضرورة، اللبنانية، وينهي المبرر الوحيد لوجود لبنان ـ الكيان المستقل ـ ويلغي مستقبله. ولأن هذا التنكّر وهذا التناقض قد حصلا فعلاً، فالأزمة موجودة، وهي أزمة كيان، لا أزمة مرحلية مفتعلة مثلما يحاول بعض "المستثمرين" التأكيد والإيهام. بل إنها قضية بكل ما تعنيه التسمية العلمية من تكامل في العناصر السلبية وفي المهدّدات.

فمنذ أن تسلّم الثلاثي الإسلامي المقنّع (الشهابية الإسلامية والجنبلاطية) مقادير الشعبين الماروني والدرزي في الجبل، الذي هو الأصل الوحيد للبنان المعاصر، وما تزال القيادات الوريثة والحليفة تعمق الخلل في الأصالة اللبنانية من أجل تعجيز قيامتها، وكان آخرها، صيغة استقلال 1943 المارونية ـ الإسلامية السنية. وهنا تقع القضية اللبنانية.

أما كل ما يحملها إياه "المستثمرون" من مشاكل وخصومات وأزمات أخرى، فيبقى خارج صلبها. يظل ظرفياً وعابراً وليس هو القضية. ولكن أحداً من المستثمرين لا يريد هذه الحقيقة في الممارسة الفعلية أو في الاعتراف العلني.

ويبدو لنا، أن الحقيقة اللبنانية المعاصرة "وجع ضمير تاريخي" وترنيمة حزينة من أغنيات الجبل الحزينة…إلا اذا طلع لبناني كبير، رؤيوي عنيد، يدرك إرثه وقدره، ويجمع في ذاته الوحدة الدرزية المارونية، في مفهوم الحاجة والضرورة للحتمية الاستقلالية، وينفتح على الآخرين، وعلى المستقبل، ليولد اللبنان المنطقي في المشرق المتجدد.

إن الوطن اللبناني مضيّع في قضيته الحقيقية، وليست قضيته الحقيقية في تآمر الآخرين عليه، أو في تحديد هويته الدستورية، وإنما هي في استفادة معناه الوجودي، ودوره الفاعل، وقوميته المميزة التي هي، وحدها، ضمانة ديمومته.

ملاحظة :

تناهى لنا ان فكرة طلعت، مؤخراً، وبدأت تسود في بعض مراكز الطموح والقرار، تدعو إلى أن يطرح لبنان مشروع حلّ تاريخي لمسألة القدس.

في مقدمة مبررات هذه المبادرة، أن لبنان هو المؤهل الأول، بفضل تاريخه وطبيعته الكيانية ومعناه الوجودي بالذات، لتصوّر المستقبل في المدينة المقدسة، ولحماية هذا المستقبل باسم اليهودية والمسيحية والإسلام.

ومما تبيّن لنا، أن توافقاً مشرقياً ودولياً قد يكرّس هذا المشروع، ويعلن لبنان حارساً للقدس الإرث والرمز والخلود.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.