التعطيل والتزوير سمة العمل السياسي في لبنان

 بسام ضو (*)

ينظِّم العلم السياسي السلطة وفق مبادىء علمية دستورية تلحظ ممارسة النشاط السياسي وفقًا لأحكام الدستور المتّبع في كل دولة، وعلى كافة المسؤولين الإلتزام المُطلق بما تنص عليه دساتيرهم. وهذا لا يعني إطلاقًا أنّ النصوص الدستورية لا تستوجب التعديل، إنما تعديلها يأتي ضمن الأطُر القانونية التي تتطّلب إجماعًا برلمانيًا على مهمة التعديل.

في معرض الحديث عن الدستور بشكل عام، نسترجع ما نشرته المنظمة الدولية عن الديمقراطية للإشارة إلى أنها كانت دراسة تقييمية للطابع الديمقراطي لأي دستور يُتَّبع في دولة ما، لينتهي التقرير إلى اعتبار أنه "من المفترض على المُشّرعين أن يصيغوا الدستور بما ينسجم مع الإلتزامات والمعايير الدولية المتعلقة بالديمقراطية…".

في الدستور اللبناني، للأسف، هناك بعض الثغرات التي أضيفت خلافًا للأصول الديمقراطية، مع بعض الإستثناءات بما فيها الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الإقتصادية، بالشكل الذي يتعيّن ضمانه في دولة ديمقراطية. والأمثلة كثيرة في هذا الإطار ولست في صدد تعدادها لأنّ اللبيب من الإشارة يفهم، وهذا الأمر يأتي في سياق منهجي مُنظّم يدخل في بابَيْ التعطيل والتزوير.. وللبحث صلة.

العلم السياسي يعتبر أنّ مبدأ السلطة ودورها الأساسي هو في تطبيق النظم والمبادىء الدستورية لتحقيق الخير العام المُكرَّس في الدستور بإرادة الشعب عير ممثليه، والشعب مصدر السلطات وفق ما جاء في مقدمة الدستور، وإذا خرجت السلطة عن هذه المبادئ مارست التسلُّط. ولا شك أنّ هناك ارتباطًا وثيقًا وتداخلاً مكملاً بين الشعب والقانون والسلطة والدولة. وهذه أمور نفتقدها في لبنان، وهي سِمات تُرافق النهج السياسي المتّبع حاليًا، ولا نخفي إن قُلنا: نهج مستمِّر منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني التي أتت نتيجة تقاتل اللبنانيين بين بعضهم البعض، وهذا الأمر أضعف رجال السياسة، وأضعف المؤسسات العلمانية والروحية، وبالتالي لم يتمكّن أي مرجع من هؤلاء معارضة ما حِيكَ في حينه من مواد دستورية أضعفت مرجعيات معينة لصالح أخرى، وما زلنا ندفع الثمن غاليًا لتاريخه حيث لا أفق تغييري في المدى القريب، لا بل مزيداً من المشاحنات والإقتتال الداخلي – الداخلي الذي سيقودنا حتمًا إلى مزيد من الإنهيار في شتّى المجالات.

قانونيًا، نعتبر أنّ العدالة الدستورية هي من صلب عمل أجهزة الدولة، وعلى ما نظُن أنّ "المجلس الدستوري" هو هيئة دستورية مستقلّة لها صفة قضائية مستقلة، وهذا ما تؤكده المادة الأولى من القانون رقم 243 تاريخ 7 آب 2000، النظام الداخلي للمجلس الدستوري، حيث شاء المشترع أن تكون التشريعات متفقة مع نصه. وقد نصّت المادة 19 من الدستور على ما يلي "ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات الرئاسية والنيابية". سؤال يطرح نفسه بإلحاح: هل هذه السلطة القائمة خلافًا للنظم الديمقراطية مارست هذه المبادئ ضمن صلاحياتها الدستورية، أم أنها عملتْ جاهدةً للإطاحة بالدستور ومخالفته؟! وهنا لا بد من التوقف عند على مخالفة جوهرية ارتكبها المسؤولون، وأعني مراسيم التجنيس التي تصدر بين الحين والآخر، ومنها مرسوم التجنيس رقم 5247 الذي صدر بناءً على القرار رقم 15 وعلى طلبات التجنس وعلى اقتراح وزير الداخلية. هذا المرسوم السيء تكمن فيه خطورة، ليس فقط بالتغيير الديمغرافي الذي أراد إحداثه، إنما بمجرد صدوره رغم الأخطاء القانونية الواردة فيه، وهذه الأخطاء تتالت في المراسيم الملحقة حيث لم تأخد بعين الإعتبار المدى القانوني للتجنيس الذي تفرضه القوانين اللبنانية، بدليل حركة الإعتراض التي وردت بعد كل مرسوم يصدر، ولكن ما في اليد حيلة، النهج التزويري مستمّر وكل ما يُطلق من تصاريح ما هو "إلاّ بالونات هوا…".

إلتقيت بأحد السفراء الأجانب في معرض جولاتي عليهم لشرح الواقع السياسي – الأمني – الإقتصادي – الإجتماعي القائمة في البلاد، وذلك بتكليف رسمي من مجموعة علمانية وروحية، لأستنتج أنّ أغلبية أعضاء السلك الخارجي يجمعون على ما قاله لي سعادة السفير حيث أشار "من حقكم كشعب لبناني أن تدخلوا موسوعة [غينيس] العالمية في القدرة على تزوير إرادة الناخبين بمختلف الوسائل والأشكال عندما شاركتم في الإستحقاق الإنتخابي الأخير، مرورًا بما كان يحصل سابقًا، لأنّ كل عمليات التصويت شابها منذ أن بدأتم تصوّتون، آفة تزوير إرادة الناس ثم رذيلة تزييف الوعي… وأكتفي بذكر ما وصلني من أحد الأصدقاء من تقارير توّثِق تزوير المحاضر بإثبات حضور الناخبين ديمقراطيًا كذبًا وزروًا… حيث كان كل مرشّح من المرّشحين يرمي خصمه بالجهل والعمالة، كما عدم تنقية اللوائح من الموتى وإثبات أصواتهم في الكشوف وهم في القبور…".

سندًا للنظم الديمقراطية، إنّ التزوير في الإنتخابات حالة غير صحية تقوم بها الجهات المشاركة فيها لغرض الحصول على عدد من الأصوات أكبر من القاعدة الجماهرية الحقيقية لها. وفي أغلب الأحيان تكون تلك الجهات السياسية، قد أخفقت خلال فترة ما بين الإنتخابين في تقديم ما يُفترض بها من الخدمات أو ما وعدت به خلال حملتها الإنتخابية السابقة، ولم تفِ بوعودها، هذا ما يؤدي إلى فقدانها القاعدة الشعبية الكفيلة بفوزها في الإنتخابات. وهذا الأمر لفتُ إليه نظر أحد المطارنة في سياق إجتماع دوري إستعرضنا خلاله واقع القانون المطروح، والذي أشرت إلى أنه يتضمّن نوعًا من التزوير المنظّم والممنهج مسبقًا، حيث مهّدوا له بأرضية، بدءًا من التأخير في سنّ القانون الإنتخابي إلى إعلان اللوائح مرورًا بعملية الإقتراع وصولاً إلى النتيجة، وهذا العمل تمّ إتباعه على طريقة الدول الشمولية ولصالح دكتاتوريها، والهدف ـ كما أكدته لسيادة المطران ـ إعتماد هذا النوع من التزوير لعدم إرساء دعائم ديمقراطية بصورة كاملة، والنتيجة كانت كما أسلفناها مسبقًا.

هناك أكثر من دليل على تزوير إرادة الناس، وألفت النظر إلى موضوع في غاية الأهمية، وتزامنًا مع ما يُعرف بـ"صفقة القرن" وهو تغيير هوية الأرض، وأعني إكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان. الخطر يكمن في تغيير هوية الأرض. وتذكيرًا بما حصل وفي الوقائع، بتاريخ 4/1/1969 صدر المرسوم رقم 11614، وهو مشروع قانون صادر بمرسوم تم تعديله بالمرسوم رقم 5131 تاريخ 19/3/1971، وبالقانون رقم 296 تاريخ 3/4/2000، إكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان. والخطورة في هذا الأمر حصلت على وثيقة تفيد أنّ عشرة نوّاب قدّموا مراجعة حملت الرقم 2/2001، طلبوا بموجبها إبطال الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون 296 المذكور أعلاه وتعليق مفعول تنفيذها لحين البت بالطعن المقدم منهم، والغاية كانت تملّك الفلسطينيين في هذه الفترة… هناك خطر سيُداهمنا، وعلينا تكثيف القراءة في ما خص موضوع صفقة القرن لأنها تحمل في طيّاتها أمورًا خطيرة، حيث سيتم إعلان سيادة دولة العدو على كل الأراضي التي تحتلها، ولا حاجة للتذكير أنّ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا هي تحت الإحتلال. وثانيًا، ستطلب دولة العدو السلام مع العرب دون شروط، وهذا يعني أنّ لا شروط عربية وإنما شروط دولة العدو، وما أدراكم ما هي، ولنبدأ بقضية "الديموغرافيا". ثالثًا ستعمل دولة العدو على تهجير قسم من الفلسطينيين إلى خارج نطاقها الجغرافي، وهذا أمر في غاية الخطورة وسينعكِس سلبًا على الواقع اللبناني الديموغرافي، لأنّ لبنان لا حدود له مغلقة بل كلها مشرّعة للتهريب ولتوافد الغرباء…

ألم يَعُد واضحًا أنّ السياسة المنتهجة تحمل مشروع تقويض لبنان كدولة لإلحاقه كولاية بمجموعات مُسلحة؟ وإلاّ لماذا يتغاضى القيّمون على النظام عن الإلتزام بما يتضمنه الدستور اللبناني من مواد، وبما يتضمنه قانون الدفاع الوطني، ولا سيّما المادتين الأولى والثانية؟!


 (*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.