تعكير السلم الأهلي خط أحمر

بسام ضو (*)

لم يعُد مقبولاً ولا مسموحًا أن يظل لبنان يتعرض كل فترة لأزمة وطنيّة تُلازمه فترة من الزمن حتى يستعيد قواه، فهذا يلحق بالوطن والمواطن أضرارًا جسيمة ولا سيّما على الصعيد الإجتماعي ـ السياسي ـ الأمني ـ الإقتصادي.

تصاريح من هنا وهناك تستقطب ردّات فعل تفوق كل منطق عقلاني وتجلب معها الويلات على الشعب، بينما الحُكام ينامون على فراشهم مرتاحين مطمئنين، والشعب يذرف دمًا ودمعًا على ضحايا فقدهم جرّاء سياسات رعناء إنتهجها بعض رجال السياسة عمدًا.

العمل السياسي يواكب المواطن يوميًا ويؤثر بقوة على شتّى المجالات. من الحكمة أن يتواجد ضمن العمل السياسي رجال سياسة أذكياء مخلصون جبّارون، يُدركون خفايا الأمور، يُحللون ويستنتجون، ويدركون ما هو المناسب من التصرفات والتصاريح ويتقنون أداءها، كما يختارون أحسن الأوقات والظروف للتنفيذ وللإجتماع بالناس، دون أن يخدشوا أفكارهم ومنظوماتهم السياسية، ولا يغيب حتى عن حدسهم وأفكارهم تقدير المآلات وبناء التحالفات الصادقة ولا الظرفية ولا الهشّة، وهي بالطبع تحتاج إلى معرفة وحنكة ومهارة وحسن تقدير، والموفق في السياسة هو من يرضي شعبه ولا يبني زعامته على دماء الأبرياء.

إلى كل سياسي لبناني، وأنا أعرف أغلبيتهم، لو كنت ورفاقي المناضلين جزءًا من السلطة على قاعدة ما ورد في مقدمة الدستور الفقرة / د / والتي تنص: "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية "، كنت سأطالب بإحالتهم جميعًا ومن دون إستثناء إلى المرجعيات القضائية الدولية واللبنانية لكي يُبنى على الشيء مقتضاه، لأنهم بأدائهم المقيت خرّبوا الدولة وأجهزتها الرسمية المدنية والعسكرية، واليوم يزكّون الغرائز ويغلّبون فئة على فئة، وعلى عينك يا تاجر من دون أن يرّف لهم جفن! والأنكى، أنهم يتكلّمون عن العفّة السياسية وعن الإهتمام بأمور الناس، وهم من حيث يدرون ويخططون ينهبون أموال الناس ويقتلونهم في وضح النهار، تارة بإثارة الغرائز الطائفية والحزبية، وتارةً بإطلاق تهم وهمية عليهم، ولا على بالهم بال، حقًا صدق من قال عنهم "نيرون".

كل سياسي لبناني متّهم اليوم بإثارة النعرات والغرائز، لحين إثبات العكس. وكل سياسي لبناني يُخالف الدستور والقوانين اللبنانية والدولية عمدًا. وكل سياسي لبناني اليوم يتنكّر لمبادىء العلم السياسي التي تقوم على إعتماد الأصول الدبلوماسية والخُلُقية والقواعد السليمة في ممارسة العمل السياسي. كل سياسي لبناني يعمل لصالح غريب ويسهر على تنفيذ أجندته بالكامل كي لا يضيع دوره ويُحذف من العمل السياسي. كل سياسي لبناني لا توجد عنده الوجدانية السياسية ولا قدرة له على التحليل السليم ولا حتى على الإنتقاد البنّاء… كل سياسي لبناني اليوم لا يُدرك ما هو معنى الإلمام بقواعد العملية السياسية بدرجة كافية، بل هو هامشي ومتخاذل وجبان وقاتل وسارق وعاهر، وحذار من الإختباء وراء "قشرة البصلة"… كلكم جبناء، مصّاصو دماء، تقتلون شعبكم على الطرقات وتتلذذون بقتل الناس، وإلاّ لماذا كل هذه التصاريح التي تصُب الزيت على النار؟!

حُكام اليوم لا تعرفون قواعد العمل السياسي التي ترتكز على 6 مبادىء تتجاهلونها عمدًا وهي:

  1. إتخاذ القرارات بناء على تراكم معرفي وليس نتيجة لتأثير حرارة اللحظة.
  2. ممارسة السياسة في إطار إجتماعي واسع ممّا يصيِّرُها إستراتيجية وليست ردود أفعال.
  3. تحديد المعايير المناسبة للتعامل مع الأحداث فتخفض الخطأ، وتحد من السلطة التقديرية لمتخذ القرار.
  4. مساعدة الممارس السياسي متوسط التدريب على معالجة بعض القضايا المعدّة.
  5. توفير إطار لغوي للقادة كي يفسِّروا مواقفهم وقراراتهم.
  6. رفع الجانب المعرفي لعملية صنع القرار المعتمد على مجموعة أبعاد وهي: العقل ـ العاطفة ـ الإهتمام بالشعب ـ الإنكفاء على الذات ـ الحكم ـ التصور ـ التقدير ـ التخمين.

نهجكم السياسي مكر وخداع ومناورة وكر وفر، وصداقة مؤقتة أو عداوة قابلة للتحوّل! وخياراتكم دائمًا فيها الغلبة للغريب وقابلة للبيع والشراء والإستقواء والتحايل على القوانين، وحتمًا أنتم في الخانة الأضعف وأمامكم هذه الخيارات: الإذعان وهو عمل يقوم به الجبان. التنازلات وهي أخف من الإذعان وتُبادلون السيادة والحرية بالإذلال. التجنُّب وهو الإبتعاد عن مواجهة الشرفاء والأقوياء واللعب في مساحة تخلو منهم فتضمنون الكسب لا الخسارة، كذّابون – دجّالون.

أيُّها السياسيّون المجرمون، لا يمكن لأحد أن يتجاهل ما حصل الأحد الماضي في الجبل، ولا يجب على أيٍ كان أن يتصوّر مجرد تصوّر إمكانية التساهل تجاه أحداث العنف غير المبرّر التي وقعت بين طرفين درزيين، وخرجت عن نطاق الإحتجاج السلمي على أمر لا يستحق ولا يستوجب اللجوء إلى العنف وإرتكاب أفعال وجرائم. ولا يمكن أن نترك لأحد في لبنان ممارسة حماقة الإنفلات غير المبرّر وغير المحسوب إلى درجة تهديد السلم الأهلي والإعتداء على الناس وإستعمال القوة والسلاح، وهذان أمران مخالفان للدستور اللبناني ولقانون الدفاع الوطني… حمل الأسلحة من كلا الطرفين غير مبرّر، وممارسة الشروع في إطلاق التصاريح الإستفزازية ومع سبق الإصرار وتخريب السلم الأهلي والتنكُّر لمصالحة الجبل وإثارة أحداث حصلت في الماضي…

كل هذه الأفعال وكل تلك الجرائم ارتكبت من فئة سياسية تتحكّم بمسار الأمور ولها صفة رسمية نيابية ـ وزارية ـ حزبية، وهي عمليًا خرجت عن نطاق الوعي والسيطرة وراحت تبث الأحقاد والفتن. والمثير للإنتباه واللافت للنظر في هذه الوقائع الإجرامية التي إرتكبها السياسيون تخلوا من العشوائية في الأداء، أنها توحي بوضوح تام بأنها تمّت في إطار ترتيب مسبق وإعداد مدبّر، وهو ما يستوجب المساءلة القضائية… أقول هذا الأمر بوضوح ومن دون مواربة، وأُصِّر على أن توقيت الفتنة في الجبل يؤكد أن من قام بها ومن رتّبَ لها وقع في خطأ فادح، حيث صوّرت له أوهامه المريضة إمكانية إستغلال طيبة قلوب الناس في محاولة بغيضة للإبتزاز السياسي، متصورًا بالوهم إمكانية الإستجابة لمطالبه اللامشروعة والمخالفة للقانون وللنظام المعمول به، والمخالفة لأبسط قواعد الديمقراطية التي زوّرت الإنتخابات وأوصلت من دخلوا خلسة إلى المجلس النيابي ليحصدوا ظلمًا وعهرًا وسرقة.

إنّ تلك التصرفات مرفوضة، وتعكير السلم الأهلي خط أحمر، وهذه الجرائم لا يجب السكوت عنها أو التساهل في شأنها، بل يجب أن تقابل بحسم القانون وقوة العدالة، وكلي ثقة في أنّ القانون سيأخذ مجراه لردع ومحاسبة كل من ارتكب وحرّض على هذه الجريمة بحق الوطن والشعب والمؤسسات الرسمية، ويهدّد بالتالي أمن واستقرار المواطنين.

لقد طفح الكيل ووصلت الأمور إلى حدٍ لا يُطاق لا أمنيًا ولا سياسيًا ولا إقتصاديًا ولا ماليًا ولا إجتماعيًا… والله سيعيننا في هذه المواجهة بين الحق والباطل.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.