سندات اليوروبوند… دين خارجي أم "أهلية بمحلية"؟ 

نادر لـ "الرقيب": يمكن للدائنين الانتظار بعدما استفادوا لسنوات من فوائد عالية جداً 

 

فتات عياد 

إذا كان "المركب اللبناني" يكافح ضد ارتطامه بالإنهيار، فإن استحقاق اليوروبوند في آذار المقبل سيكون نقطة حاسمة سواءً في تأخير أو تسريع أو حتى منع هذا الارتطام. فسداد "ديننا الخارجي" يعني استنزاف احتياط الدولة من الدولار لإستيراد المواد الضرورية الملحة من جهة (الأمن الغذائي)، ويعني تهديداً  لأموال المودعين في المصارف اللبنانية من جهة أخرى. فإذا كنا سندفع، لمصلحة من ندفع؟ ومن جيب من ندفع؟ وماذا يعني أن يتخلّف لبنان عن سداد دينه بالعملة الأجنبية؟ 

اليوروبوند هي سندات الخزينة التي تصدرها وزارة المالية بالعملات الأجنبية. ويستفيد المكتتبون بنسبة فائدتها العالية مقارنة بدول أخرى. وفيما يُروج لهذا الدين على أنه"دين خارجي"، يقول البعض أنه دين بمعظمه داخلي، أو بمعنى آخر سنسدّد ديننا "من العبّ للجيبة". فماذا بقي في "الجيبة" للتسديد؟! 

يشرح الخبير الإقتصادي سامي نادر: "هذه السندات ترجع للمستثمرين الكبار الذين اشتروا سندات الخزينة بالدولار "اليوروبوند"، و استفادوا لسنوات من فوائدها العالية. ومن الطبيعي عند شراء هذه السندات، أن يتوقع صاحبها الخطر المحدق بسدادها، نتيجة ارتباط ارتفاع معدل الفائدة بمعدل مخاطر السداد) (high return, high risk. وبالتالي هؤلاء كانوا يعرفون أنه هذه السندات يمكن أن لا تردّ ربحها". 

ويقول نادر أنّ من استفاد لسنوات بفائدة وصلت إلى 20% و30% أحياناً، لا بدّ أنه كان يتوقع خسائر في سنداته، وعدم تمكن الدولة اللبنانية من تسديدها نظراً للمخاطر المحدقة المترافقة مع نسبة فائدتها العالية". مشيراً إلى أن "هذه هي "قاعدة السوق". 

بين التسديد وعدمه… ماذا عن "صيت" لبنان؟ 

استحقاق شهر آذار المقبل سيكبّد الدولة دفع 1.2 مليار دولار، يليه استحقاق آخر بقيمة 700 مليون دولار في منتصف شهر نيسان، فيما ستستحق سندات يوروبوند أخرى بقيمة 600 مليون دولار في شهر حزيرانويُضاف إلى هذه المبالغ الضخمة المستحقة مبلغ 2.7 مليار دولار المتمثل بالفائدة على الدين. 

وعن "صيت لبنان" النقدي في حال عدم سداد مستحقاته من الدين في آذار المقبل، يصف نادر صيت لبنان النقدي بالـ"مهترئ مستشهداً بسعر سند الخزينة الذي "فقد نصف قيمته تقريباً، حيث بلغت قيمة الدولار في هذه السندات حوالي 45 سنتاً". 

أما البديل عن السداد، فيرى نادر أنه "لا بد من إعادة هيكلة الدين"، وهي: "إعادة جدولة للدين، بطريقة تمكّن المدين من سداده".  

وعما إذا كان الدين خارجياً أم  أنه "أهلية بمحلية"، خصوصاً وأنّ بعض السياسيين يستميتون لدفعه بمعزل عن خطر تهديده احتياطي الدولة من العملات الأجنبية، يشرح نادر: "إنّ أغلبية الدين يعود للبنوك اللبنانية ومستفيدين آخرين من الداخل". ويضيف" إذا كان ديننا الخارجي 33 مليار دولار، فحوالي 10 مليارات منها اكتتبتها مؤسسات دولية من الخارج". ويلفت: "هذا القسم الخارجي من الدين، ألمحتBloomberg  في مقال لها بأنّ أصحابه يوافقون على تأجيل سداد مستحقاتهم، لأنهم ببساطة يعرفون الوضع، وبأنّ تخلّف لبنان عن السداد هو الأمر المنطقي والمتوقع". 

وهنا تُطرح علامات استفهام كثيرة حول الشخصيات اللبنانية التي استفادت لسنوات من فوائد هذه السندات، وهي تلحّ اليوم بأصوات ممثلة عنها في السلطة، للدفع نحو سداد مستحقاتها. وإذا كان المستفيدون -من الخارج- تفهموا "الظرف" الذي يمر به لبنان، أليس مستفيدو الداخل أولى بتفهّم "الظرف" الذي يمر به وطنهم؟  

ولا يخفي نادر أنّ الأزمة لن تنتهي حتى لو لم يدفع لبنان مستحقات شهر آذار المقبل: "حتى لو لم ندفع الـ 4 مليارات ونصف المستحقة، ماذا نفعل عند استحقاق الدفعتين الثانية والثالثة وغيرها من المستحقات؟". وهو يذهب إلى أبعد من هذا، فيعتبر أن استحقاق كانون الأول الماضي "كان على الدولة ألاّ تدفعه". 

وفي الحلول يرى نادر أنّ: "الحل يكمن بإيقاف كلي للمصاريف، فالإقتصاد يحتاج لمدخول لتتحرر الودائع". 

ولا ينكر أن هناك مسؤولية كبيرة تجاه المودعين اللبنانيين في المصارف. وفي حال تدخل صندوق النقد الدولي، يرى نادر أن دوره سيكون "وضع خطة تساعد بإدارة مال المدخرين وأصحاب الودائع لتوزيع كلفة الأزمة بطريقة عادلة". 

 

سندات اليوروبوند… من أموال المودعين؟ 

 صحيح أن مصرف لبنان يحرص على طمأنة الرأي العام اللبناني بأنّ لديه مخزوناً من العملات الصعبة بحوالي 40 مليار دولار، لكنّ نادر يشير أنه "استناداً إلى تقارير وكالات التصنيف الإئتمانية فإنّ المخزون الإحتياطي للمصرف يُعتبر سلبياً".  

وهنا تكمن فرضية أن تكون السيولة التي يتكلم عنها المصرف ما هي إلا أموال المودعين في المصارف، خصوصاً وأن القسم الأكبر من الدين العام للدولة هو داخلي، وبالتالي فإن قسماً من احتياطي المصرف المركزي هو ديون لتلك المصارف. استنزف البنك المركزي منها قسماً للإستيراد، وقسماً لحماية الليرة أمام العملة الأجنبية. ويُحكى عن صرف 70 ملياراً منها، وعن عجز تبلغ قيمته 40 مليار دولار! 

أما تأثير عدم سداد الدين على تراجع تصنيف لبنان في الوكالات الإئتمانية، فيلفت نادر إلى أنّ تلك الوكالات سبق أن خفّضت من تصنيف لبنان، وهي لا تنظر إلى استحقاق بعينه، بل نظرتها شاملة للوضع المستقبلي". هي تنظر للأساسيات ( (fundamentals ميزان المدفوعات، النمو الاقتصادي، الملاءة المصرفية، النمو الاقتصادي، تدفق الأموال…". 

هل لجدولة الدين علاقة بالـ Haircut؟  

أما الجدولة فلا تعني بالضرورة القيام بـ "Haircut"، وهي إعادة توزيع قيمة الدين، أما الـ Haircut فهو اقتطاع من أموال المودعين لسد عجز المصارف، ويمكن أن يكون اقتطاعاً من الفائدة أو من أصل الوديعة. 

لكن حتى إعادة جدولة الدين لا تكفي لحل الأزمة المالية، ويرى نادر أن "لا قدرة تحويلية لتأمين حاجاتنا الأساسية، من استيراد للسلع الغذائية والطبية الملحة، ما يعني انكشافاً على صعيد الإستيراد، وحتى عدم دفع مستحقات ديننا لا تكفي". ويضيف:" نريد حلاً يمكّن الدولة من تفعيل مداخيلها، وذلك عبر وقف المصروف، واستعادة الأموال المنهوبة، وإيقاف الهدر ومكافحة جدية للفساد". 

صحيح أنّ الحكومة الجديدة لم تحسم أمرها بعد بخصوص دفع مستحقات آذار بسندات اليوروبوند، إلا أنّ رئيسها قال إنّ الحفاظ على أموال المودعين سيكون هاجساً لدى حكومته، فهل أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من إعادة جدولة الدين؟ 

 

 

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.