"صفقة القرن" إبادة جماعية.. والمقاومة جاهزة

 ريمون ميشال هنود /

لا غبار على أن ولادة صفقة القرن، شكّلت صدمة كبرى لكل من كان يراهن على كذبة حلّ الدولتين، خصوصًا لأصحاب القلوب الطيبة منهم المفتقرين الى النهل من ينابيع الثقافة مفتاح الوعي والجرأة، الذين انطلت عليهم خدع واشنطن داعمة أخطر كيان استيطاني دموي توسّعي على وجه المستديرة. من هنا فإن هؤلاء الذين خابت رهاناتهم وآمالهم وتوقعاتهم في لبنان وفي دول مجلس التعاون الخليجي عقب صدور قرار تصفية القضية الفلسطينية، مطالبون باستخلاص الدروس والعبر عبر القيام بنقدٍ ذاتي صائب، يؤمنون بموجبه بخطورة تلك الصفقة الهادفة الى توطين الفلسطينيين في دول الشتات، المتواجدين فيها منذ عقودٍ عدة من الزمن، والإيمان ايمانًا عميقًا وراسخًا بأن المهمة الأساسية لتلك الصفقة تهدف الى استكمال النهب الممنهج لثروات ومقدّرات الأقطار العربية جمعاء، وبأن الكذب يبقى بالدرجة الأولى ملح المستعمرين، أو التواقين الى الاستعمار مجددًا.

وعندما يعتنق من غُرِّرَ به، مذهب الوعي المولود في رحم الثقافة، يدرك ويعي بأن تصفية القضية الفلسطينية التي انبلج فجرها الدموّي يوم نكبة فلسطين في العام 1948، كانت تهدف الى تحويل بلاد المسيح الى بوابة العبور الأولى لكل دول الاستعمار باتجاه الأقطار العربية لنهب كامل مقدراتها وثرواتها، وتنصيب حكومات فيها تكون موالية وتابعة وأجيرة لسياساتها، على أن يكون لبنان بوابة العبور الثانية نحو تلك الأقطار، لكن المخطط اصطدم بمقاومة باسلة قلّ نظيرها من قبل أبطال الجيش العربي السوري، الذين قدّموا من أجل وحدة لبنان وعروبته 14000 شهيدًا على مذبح الأراضي اللبنانية، وتمكنوا بإيعازٍ من قيادتهم الحكيمة من دعم منع  التقسيم في وطن الأرز العربي، ومن طرد الجيش الصهيوني من بيروت في العام 1982 عبر دعم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانيّة، ومن اسقاط اتفاقية 17 أيار 1983، عبر دعم انتفاضة السادس من شباط المجيدة 1984، ومن توحيد الجيش الوطني اللبناني على أسس وطنية لا طائفية، وعلى قاعدة العداء لاسرائيل فقط. وقد اثبتت دمشق أن لديها قدرات هائلة في مقاومة المشروع الأميركي الصهيوني المعدّ ضد لبنان، بدليل إلحاقها الهزائم المدوّية بكل صولات وجولات الحروب الأميركية على لبنان. وبالمناسبة فإن هولاكو الذي تمكّن من إحتلال أكثر من نصف آسيا سقط على أسوار وحصون عاصمة الممانعة العربية.

لا يختلف إثنان على أن كل متنوّر كان يعلم بأنّ صفقة القرن، أي تصفية القضية الفلسطينيّة، آتية لا محال، لأنها أبصرت النور في الوقت الذي حققت فيه دول الممانعة العالمية توازنًا هائلًا للرعب، في المجالين العسكري والسياسي مع دول المعسكر الإمبريالي، علمًا أن البزوغ الدموي لفجر مشروع تصفية القضية الفلسطينية كان قد بدأ عندما صدر عن الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين في العام 1947، وهذا المشروع هو الذي اغتال الكونت فولك برنادوت، الوسيط الدولي المكلف من قبل الأمم المتحدة، الإشراف على تنفيذ مشروع التقسيم هذا، لأنّ الكونت رأى حينها بأمّ عينيه إنحياز الأمم المتحدة الى هذا الكيان ورأى كيف أن ذلك المحفل الدولي المرموق أبى أن يسمّي مدينة القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وعمد الى وضع المدينة بأكملها تحت وصاية دولية.

ولإلهاء الفلسطينيين عن كارثة ومأساة تصفية قضيتهم، عمدت تلك الصفقة الخبيثة الى إغداق الوعود البرّاقة عليهم والقول لهم بأنها ستسهّل وصول أكثر من 50 مليار دولار من الاستثمارات على مدى عشر سنوات إليهم، وستخفّض معدل البطالة بين شبابهم، ومعدل الفقر بنسبة 50 بالمائة، على أن تشيّد جسرًا بين غزّة والضفة الغربية يرتفع عن سطح الأرض نحو 30 مترًا. وكل هذا السخاء الماكر سيلاقي طريقه إلى التنفيذ على مساحة أرض تبلغ 5200 كلم2 (الضفة وغزة).

أمّا الشعب الفلسطيني المتواجد في بلدان الشتات والذي يمثل الأغلبية الساحقة من سكان فلسطين، فهو بموجب هذه الصفقة سيكون محكومًا عليه التحليق في فلك التوطين، وهذا ما تنتظره واشنطن وتل أبيب على أحرّ من الجمر. لكن من المؤكد أن هذا الشعب الأبيّ الذي أنجب محمد الدرّة ومروان البرغوثي وأحمد سعدات وعهد التميمي وكل أطفال الحجارة سيتمرّد على هذه الأوامر، خصوصًا أنه يعلم كل العلم بأن صحيفة "يسرائيل هيوم" الصهيونية تباهت بالقول بأنّ إحدى أهدم مندرجات تلك الصفقة تنصّ على بقاء الكتل الإستيطانية بيد الكيان الصهيوني على أن تنضم اليها المستوطنات المعزولة، ما يعني أن بقاء المستوطنات وكاميرات مراقبتها ومناظيرها الليلية جاسوسات على مناطق الضفة وغزة هي الخطوة التي ستشكّل عصب هذه الصفقة ورأس حربتها وشريانها الحيوي.

وفي مطلق الأحوال حري بنا أن ندرك بأن الدعوات غير الرسمية الى تصفية القضية الفلسطينية، كانت قد صدرت قبل مئات الأعوام من التحضير لنكبة الحبيبة فلسطين عام 1948، عندما طالبت بريطانيا في العام 1621 بنقل اليهود الى الأرض التي وعد بها الله أجدادهم إبراهيم واسحق ويعقوب ومنحهم اياها أرثًا أبديًا!

كما أنه في العام 1799 كان نابوليون الأول قد وجّه نداءه الشهير الى يهود العالم للقتال معه من أجل إعادة إنشاء مملكة القدس القديمة. وهذا غيضٍ من فيض مئات الدعوات الى اغتصاب فلسطين.

وبما أنّ تصفية القضية الفلسطينية تهدف الى إحكام السيطرة على النفط والغاز في الأقطار العربية بشكل نهائي، أشير الى أن مشروع النهب الممنهج من قبل الغرب لثروات ومقدّرات الوطن العربي، كان قد ظهر جليًا من خلال وثيقة مستنسخة، كان قد حصل عليها مؤلف كتاب "خنجر إسرائيل" الكاتب الهندي كارنجيا، من مصدر عربي في حلف بغداد ـ أيزنهاور، والوثيقة هذه كانت قد وضعتها هيئة أركان الحرب الإسرائيلية لعام 1956 – 1957، وأخطر ما نصت عليه هو إضعاف الشعوب العربية، وحرمانها من نفطها عبر تقويض الوحدة العربية، كما نصّت على تدمير كل الآبار والمصافي البتروليّة العربية في حال عدم التمكن من السيطرة التامة عليها للإنتفاع منها.

وأذكّر بأنّ هنري كسنجر، ثعلب السياسة الأميركية، كان قد قال للمعسكر الإمبريالي سيطروا على النفط لتسيطروا على الأمم. لذا من الخطأ القول بأن التاريخ يعيد نفسه، لأن الصواب يقول بأن الحاضر هو امتداد للماضي في الصراع مع الإمبريالية والذي لا يزال على ما يبدو في بدايته، ومن يبرع في إتقان فنّ لعبة عضّ الأصابع، وكل فنون حروب الأعصاب والإستنزاف أكثر من سواه، سيُكتب له النصر في نهاية المطاف.

ولا شك بأن المقاومة وانصارها هم أفضل من يتقنون فنون تلك اللعبة، وأصول تلك الحروب، لأن التجارب السابقة والمواجهات الغابرة مع العدو أثبتت ذلك.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.