"ضابط الداخلية" .. "ضابط" الداخلية!

نورما أبو زيد /

يروي صديق بحكم معاناته منذ سنوات من الحصانات القضائية الممنوحة لأصحاب الحصانات السياسية، واضطراره بالتالي إلى مراجعة مجلس القضاء الأعلى بشكل مستمر، أنّ مجلس القضاء تحوّل مع تعيين القاضي سهيل عبود رئيساً له، إلى مساحة منظّمة ومنتظمة بين ليلة وضحاها، لإدراك القضاة والموظفين أنّ الوافد الجديد، قديم العهد في النضال، رغم حداثته في المنصب.

لم يكن الراوي بحاجة لمن يُطْلعه على "فرمانات" عبود ليعرف أنّ مؤسسة القضاء عادت إلى طبيعتها الأصلية والأصيلة. هكذا هو الوضع في الداخلية.

وزير الداخلية الـ 66 العميد محمد فهمي، هو ثاني متخرّج من صفوف المؤسسة العسكرية في وزارة الداخلية منذ التسعين، وبصمته إلى الآن عسكرية بامتياز.

فبعد "تأنيث" الوزيرة ريا الحسن لوزارة الداخلية، يعمل الوزير فهمي على "أنسنتها"… "وزارة الداخلية في خدمتك" عبارة غير معهودة في أيّ وزارة من وزارات الدولة، يُطالعك بها المجيب الصوتي لوزارة الداخلية لدى اتصالك.. جملة صغيرة ولكنها كبيرة بمعانيها ومضامينها، وتؤشّر إلى أسلوب انفتاحي جديد في تعاطي الوزارة التي عُرفت تاريخياً بـ "وزارة اللا مُجيب".

"الأنسنة" لا تقتصر على المجيب الهاتفي، إذ يؤكّد ضباط الوزارة أنّ تعليمات "ضابط" الوزارة ضبطت الإيقاع منذ اليوم الأوّل. أمّا زوار الوزارة فيؤكّدون "رمي الإبرة بتسمع رنّتها"، رغم ورشة "التعقيم" الداخلية التي بدأها الوزير، لأنّ نظافة الداخلية مطلباً رئيسياً على القائمة.

وإذا كانت "الأنسنة" واضحة وساطعة وتخبر عن نفسها بنفسها. وإذا كانت ورشة "التعقيم" أكيدة وثابتة لوزير سبقه نضاله العسكري النظيف إلى الداخلية. يبقى السؤال: ماذا بعد؟

تقول الدائرة اللصيقة بالوزير فهمي، إنّ أيّ وزير داخلية لا يمكنه إلاّ أن يضع الملفّ الأمني في سلّم أولوياته، ولكنّه على صعوبته، يعدّ الأسهل بالنسبة للوزير الوافد إلى الداخلية من ساحات الوغى، محتفظاً بـ 300 قطبة في جسمه، ليعلم القاسي والداني أنّ كلّ معاركه في الحياة على قاعدة "يا قاتل يا مقتول".

وعلى الرغم من تشعّبات الملفّ الأمني في بلد شعبه كثير الولاءات والانتماءات كلبنان، ونصف شعوب المنطقة باتت مقيمة على أرضه، وكلّ مخابرات العالم "تعشعش" في زواياه وزواريبه، يُعطي وزير الداخلية الأولوية للحراك الشعبي الذي يقسمه إلى نصفين: نصف موجوع يعبّر عن ألمه بسلمية، وهذا النصف يَعتبر "عسكري الداخلية" أنّ من واجبه تأمين أقصى حماية له. وقسم مخرّب يضع له فهمي خطّة تصاعدية، تبدأ بـ "يا حبيبي ويا عيني" وتنتهي بـ "معركة كسر عضم"، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ من يريد أن يبني بلداً لا يهدم الموجود.

في اليوم الثالث لوصول الوزير فهمي إلى الداخلية، سألت ضابطاً: شو وضع "ضابط الداخلية" الجديد؟ فأجابني: "ضابط" الداخلية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.