حقوقنا المهدورة في الموازنة المبتورة!

 بسام ضو (*)

يعرّف قانون المحاسبة العمومية الموازنة على أنها "صك تشريعي عن سنة مقبلة، تُجاز بموجبه مبدأي الجباية والإنفاق". وعلى الرغم من هذا التحديد، تستمر الحكومات المتعاقبة بالجباية والإنفاق خلافًا للأصول.

لقد نص قانون المحاسبة العمومية الصادر بموجب مرسوم رقم 14969 بتاريخ 30/12/1963، في مادته الأولى، على ما يلي: "يحدد هذا القانون أصول إعداد موازنة الدولة، وتنفيذها، وقطع حسابها، وإدارة الأموال العمومية، والأموال المودعة ". أما في الباب الثاني من هذا المرسوم ورد في المادة 13 ما يلي: "يضع كل وزير قبل نهاية شهر أيّار من السنة، مشروعًا بنفقات وزارته عن السنة التالية ويرسله إلى وزير المالية مشفوعًا بالمستندات والإحصاءات والإيضاحات اللازمة لتبرير كل إعتماد من الإعتمادات المطلوبة، وذلك وفقًا لأصول يحدّدها وزير المالية". كما نص الفصل الثالث ـ أحكام خاصة بدفع الرواتب ومعاشات التقاعد وتحديدًا المادة 237 على: "تؤدى في أول كل شهر المخصصات والرواتب والتعويضات الخاصة بالوظيفة أو الملحقة بالراتب. يطبق هذا التدبير على جميع الموظفين الدائمين والمؤقتين بإستثناء المتمرنين منهم، كما تطبق على المتقاعدين وورثتهم".

علميًا الموازنة هي الترجمة الرقمية الصحيحة والسليمة لبرامج الحكومة وخياراتها السياسية ـ الإقتصادية ـ المالية، ولكن أهم ما تتضمنّه هي إجازة الإنفاق والجباية للحكومة من قبل البرلمان، وقانونيًا هذه الإجازة سنوية تنتهي بانتهاء السنة المالية، حيث يُصبح من الضروري على الحكومة أن تضع موازنة جديدة ليتم إقرارها في المجلس النيابي… كما تدرس السلطة التشريعية الموازنة كمشروع مرفوع إليها وتتم المصادقة عليه بعد مناقشات مستفيضة بندًا بندًا. ووفق العلم الدستوري تُعتبر المناقشة والموافقة صكاً تشريعياً إلزامياً يصدر عن السلطة التشريعية، وتعد مصادقة المجلس النيابي على الموازنة أمر إلزامي وضروري كي تتمكّن السلطة التنفيذية من إنفاق أموال الدولة وجبايتها بالطريقة السلمية، ولكن القانون يعتبر أنّ أي إنفاق أو جباية في إطار غير شرعي على ما كان يحصل في السابق وتلك الأمور تعتبر مخالفات فاضحة للقانون وللدستور على صعيد إنفاق المال العام.

يعتبر العلم المالي أنّ المعيار الأساسي لوضع أي موازنة، إعتماد الدولة المنتجة والعمليّة في أكثر من خطوة تحضيرية إلى إعداد دراسة اقتصادية لكل القطاعات وأنشطتها الإنتاجية والخدماتية لواقعها الراهن، وبناءً على تلك الدراسات التي تستوفي الشروط العملية الموضوعية القانونية والاستراتيجية، تضع هذه الدولة تصوراتها حول تطوير هذه القطاعات نحو الأحسن، بعد تحديد مكامن الضعف وإمكانية التقدّم، لتنتهي بعدها إلى تحديد مبدئي لأرقام الموازنة، وفي حينه تأتي هذه الموازنة على قاعدة قانونية ـ علمية ـ موضوعية، سليمة ولا يشوبها أي شائبة. ومن الملاحظ أنّ الموازنات غالبًا ما تأتي على قياس عدم الإهتمام بحقوق الدولة والمواطنين، وعمليًا نُلاحظ ـ كباحثين ـ أنّ الدولة اللبنانية في موازناتها السابقة لم تستخدم إجراءات الضرائب والإنفاق لدعم المحركات الثلاث للنمّو الإقتصادي طويل الأمد، وهي:

ـ رأس المال، وأعني مقدار إنتاج كل عامل أو موظف في الساعة الواحدة. وفي الدول المتحضرة، على صعيد رأس المال هناك دواع قوية لزيادة الإستثمار العام نظرًا لإنخفاض تكاليف الإقتراض ومواطن الضعف الكبيرة في البنية التحتية.

ـ العمالة: ينبغي أن تواصل البلدان تشجيع خلق الوظائف والمشاركة في سوق العمل، ويمكن للاقتصادات المتقدمة أن تخفض ضرائب الأجور والرواتب، وتزيد من استخدام سياسات مثل مساعدة البحث عن فرص عمل وتدريب، واعتماد إجراءات للإنفاق تستهدف المجموعات الضعيفة مثل العمالة محدودة المهارات وكبار السن، ويمكن للأسواق الصاعدة والإقتصادات النامية تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.

ـ الإنتاجية، هناك مجموعة كبيرة من السياسات التي تعزز الإنتاجية ومنها إدخال تحسينات على النظام الضريبي…

من كل ما ذكرت، لا يتوّفر أي أمر في الموازنات التي تُقّر في لبنان للأسف.

يُشير العلم المالي إلى أنه يتوقف نجاح الموازنة المخطط لها علميًا، على مدى نجاح إعداد موازنة الإيرادات حيث تعتبر الركيزة الأساسية في إعداد الموازنات الأخرى. كما تتوقف فعالية هذه الموازنة على مدى الدقة للتنبؤ بحجم الإيرادات. لذلك، تعتبر موازنة الإيرادات نقطة البداية في إعداد الموازنة المخطط لها علميًا، وبالتالي هي بيان كمّي وقيمي يُبيِّن قيمة الإيرادات المتوقع توافرها خلال فترة الموازنة مصنفة على أساس زمني.

دعاني أحد الزملاء إلى ندوة عن إعداد الموازنات في الدول المتحضرة، وخلص المحاضرون إلى توضيح عدّة أفكار بنّاءة عن الموازنة وضرورة مراعاتها تحقيق أهداف برنامج الإصلاحات الإقتصادية وخطط التنمية المستدامة التي تتبنّاها الحكومات، والرامية إلى رفع معدل النمّو تدريجيًا، وهو ما يتطّلب رفع معدلات الإستثمار مع خفض معدلات البطالة بشكل تدريجي، من خلال العمل على توسيع الطاقة الإستيعابية للإقتصاد لتوفير فرص عمل سنويًا، إلى جانب خفض معدلات الفقر بنهاية البرنامج ونسبة عجز الموازنة العامة والعجز التجاري والدين العام… ومقارنة مع ما سمعناه، تساءلنا عن المضامين الإنتاجية للموازنات التي تُقّر في لبنان، ليتبيَّن لنا أننا في عجز دائم ومن انحدار إلى انحدار. كما أضاف المحاضرون أنّ ضرورة نجاح الموازنات في الدول المتحضرة يتطلب أن تشهد عددًا من الإصلاحات المهمة، وإصدار قرارات وتعليمات لرفع كفاءة المنظومة الضريبية، وضبط المجتمع الضريبي، مع التركيز على سبل سد منافذ التهرب الضريبي، وتحسين أداء الحصيلة الضريبية… كما لاحظ المحاضرون ضرورة إصلاح المنظومة الجمركية الهادفة لحماية الصناعات الوطنية من المنافسة غير العادلة بسبب التهريب المتنامي. أين نحن من تلك الخطوات؟ وماذا تقدّم الموازنات المقرّة في البرلمان اللبناني من ضمانات؟!

المعروف أنّ موازنات الدولة اللبنانية، والمُشرّعة وفقًا للأصول كما يقضي القانون في البرلمان اللبناني، أكبر خدعة دستورية، وبلغ إجمالي الدين العام ما يٌقارب الـ 85 مليار دولار، ويدفع لبنان حوالي 7 مليار دولار سنويًا خدمة دين عام، علمًا أنّ الدولة لم تقدّم حساباتها الختامية، وعدم تقديمها استشراء للفساد وهدر لمليارات الدولارت… وهذه الأمور تقود إلى فوضى مالية ـ اقتصادية ـ اجتماعية أوصلت البلاد إلى حالة من الأضرابات العشوائية التي تعم كل المناطق وعلى كافة الصعد. وعمليًا لم تسلم هذه الموازنة من حدّة الإنتقادات لجهة إلتفاف الأزمات بها، والتوقعات بانهيارها في وضع اقتصادي غير مستقر، وعدم وجود رؤية واضحة للتخطيط. والملاحظ أنه رفعت موازنة لا تتضمن الأداء الفعلي للعام الماضي، بل تمضي بنفس الخظوات في موازنة العام السابق، أي بتقديم تقديرات خاطئة حول العجز والتضخم، واعتمادها على الجانب الإنشائي الذي لا يُحاكي الواقع من دون تقديم مشاريع حقيقية، بل طالت الفقراء في عقر أعماقهم…

هذه الموازنة لن تنجح، لأنّ الشعب اللبناني تحت عتبة الإفلاس، وبالتالي من أين سيتم الصرف على الموازنة؟ أَمِن جيوب الموظفين أو العمال أو العسكريين أو المتقاعدين؟ هل من جيوبهم وهي خاوية بسبب إنعدام فرص العمل وغلاء المعيشة…؟ إنّ الأمر العملي والقانوني يستلزم أن تكون هناك موازنة طوارىء تحد من الصرف العشوائي وتتقشف في الإنفاق إلى أقصى الحدود.

علميًا الموازنة هي مرآة الدولة، فلا الخطب ولا البيانات الوزارية، ولا الإطلالات السياسية الإستغلالية تستطيع إعطاء الصورة الكاملة لسياسة الدولة، إذا لم تستند إلى موازنة سليمة، وفي هذه الموازنة نلاحظ أنّ حقوقنا مهدورة والدولة تنهش عظامنا دون أن يرف لها جفن…

يُقرّون موازنة تفتقد لمخطط شامل ترسمه الدولة وتعمل على تنفيذه لإراحة شعبها، موازنة تهدف إلى تسخير المواطن ماديًا ومعنويًا. أتونا بموازنة تقدّم مصالح السياسيين على مصالح الدولة وشعبها. أتونا بموازنة تقدّم مصلحة السياسيين على حساب جيوب المتقاعدين المدنيين والعسكريين…

مع هذه الموازنة يبدو من العبث الحديث عن سياسات ذات طبيعة إقتصادية ـ إجتماعية قادرة على معالجة الإختلالات التي كرّستها السياسات التي انتهجت وتنتهج وتُحمَّل تبعاتها للشعب اللبناني. وكباحث وناشط سياسي، تكوّنت لدي قناعة أنه لا بُدّ من خلق مرجعية سياسية تعيد هيكلية الدولة سياسيًا ـ اقتصاديًا ـ ماليًا ـ اجتماعيًا لإخراج لبنان من دائرة الفشل التي أحكمها السياسيون سياسيًا واقتصاديًا وماليًا واجتماعيًا، ولا يألون جُهدًا لمنع خراب البلد.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.