قرارات مجلس الأمن.. وهشاشة الالتزام

المحامي الياس عقل خليل

إن قرارات مجلس الأمن ذات الأرقام 425 ـ 426 ـ 520 ـ 1559 ـ 1701، هي قرارات تتعلّق بلبنان الذي أصبح منطقة أمنية بإمتياز في منطقة الشرق الأوسط، والترتيبات الأمنية القائمة فيها هي حماية لإسرائيل، وإنّ الشروط المتبادلة المتوازنة التي صيغت بها الترتيبات الأمنية تجعل من هذه الترتيبات حماية للبنان وأمنه بالمقدار ذاته وأكثر.

فالجنوب كان قد أصبح، مصدر اضطراب للأمن اللبناني، فضلاً عن كونه هدفاً لعمليات حربية مستمرّة. من هنا صار بسط السلطة اللبنانية ووضع حدّ لحالة الإضطراب الأمني والإعتداءات المتلاحقة مطلباً لبنانياً ملحّاً، حماية للأرض والناس، فضلاً عن حماية السيادة الوطنية. من هذه الزاوية يجب أن نتذكّر، ونحن نقرأ بنود القرارات، أنّ التعهّد بعدم التدخّل في شؤون الفريق الآخر وبعدم تنظيم ما يهدّد سلامته أو السماح بذلك، إلى آخر البنود، إنما يشمل الكثير مما كان لبنان نفسه هو شاكٍ منه، لأنّ لبنان هو الذي كان محتلّاً من القريبين والأشقّاء والأعداء، ممزّقاً، سائباً، مستباحاً لأكثر من فريق.

وإضافة إلى ذلك نصّت القرارت من 425 ومروراً بال 520 إلى 1559 و1701 صراحة على عدم جواز استعمال الأرض اللبنانية كممرّ للعمليات العدوانية، مما يجعل هكذا عمق أماناً استراتيجياً للفريق الأكثر تعرّضاً للخطر. وإنّ الهدف الأساسي لهذه القرارات هو استعادة الأرض والسيادة، وإنّ الفكرة المركزية التي يتمحور الإتفاق حولها هي إنهاء حال الحرب. وفي نظر لبنان إنه في الواقع ينهي حرباً لم يكن يخوضها منذ عام 1948، وإنما كانت تخاض على أرضه، بل على حسابه، من غير أن يكون ثمّة قرار استراتيجي بالحرب، لا من لبنان صاحب الأرض ولا من الجامعة العربية في مجالسها. يضاف إلى ذلك أنّ إنهاء الحرب قد جاء في وقت لا تخوض أية دولة عربية أخرى حرباً. بل على العكس تقرّر الدولة العربية المجتمعة، ومن ضمنها منظّمة التحرير الفلسطينية، خطّة عربية للسلام، ناهيك عن تجاوب بعض الدول صراحة مع مشاريع سلام، منها الأميركي ومنها الروسي ومنها الأوروبي.

لقد كانت دبلوماسية لبنان باستمرار، تسعى إلى فصل القضية اللبنانية عن قضية الشرق الأوسط، لأنه كان قد أصبح منذ عام 1978، لا خطراً على نفسه وحسب، بل على الشرق الأوسط برمّته وعلى السلام والأمن الدوليين. وقد تأكّدت منذ القرن الماضي، وبالتحديد بعد حرب 4 حزيران، قناعة بأنّ السلام في الشرق الأوسط يبدأ بالسلام اللبناني.

وها هو لبنان قد باشر بالخطوة الأولى في طريق السلام، لا من أجل نفسه وحسب، من أجل فكّ أسره كرهينة لقضيّة الشرق الأوسط وفرقائها البعيدين والقريبين.

انطلاقاً من هذه الأمور المبيّنة سابقاً، نرى بأن قرارات الأمم المتّحدة المتّخذة في مجلس الأمن في جلسته المنعقدة بتاريخ 20 أيلول 2004، وفي جلسته بتاريخ 11 آب 2006 قرار رقم 1701، ما هي إلّا قرارات تصاعدية الخطوات ونافذة على الأرض تحت إشراف مجلس الأمن وأمينه العام، مما يضفي صفة دولية على المهمّة المدوّنة في هذه القرارات، ذلك رغبة في وضع حدّ نهائي لحال التشرذم والتسيّب والفلتان الأمني التي يعانيها لبنان منذ القرن الماضي، وتحقيقاً لانسحاب جميع القوات المسلّحة غير اللبنانية من الأراضي اللبنانية، ومساعدة لبنان على إستعادة سيادته كاملة على أراضيه بواسطة قوّاته الوطنية، وانطلاقاً من أنّ مشكلة لبنان هي مشكلة عربية في مصدرها وجوهرها، مما يخشى معه أن تنعكس على جميع الشعوب والدول العربية وعلى المنطقة بأسرها. ودعت هذه القرارات أيضاً إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ونزع سلاحها، وجعل الدولة اللبنانية الوحيدة غير منزوعة السلاح.

وتنفيذاً للقرارات السابقة من 425 وحتى 520 والقرار 1559، أصدر مجلس الأمن قراره 1701، وهو قرار ملزم إذ "أعرب فيه عن بالغ قلقه إزاء استمرار تصعيد الأعمال القتالية في لبنان وفي إسرائيل منذ هجوم حزب الله على إسرائيل في 12 تموز 2006"… وقد أكّد بعدها بإنهاء الفتن، وفي الوقت ذاته ضرورة العمل بشكل عاجل لمعالجة الأسباب التي أدّت إلى نشوب الأزمة الحالية، بما في ذلك إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين المختطفين دون شروط، وإدراكاً منه لحساسية مسألة السجناء، تشجيعاً منه للجهود الرامية إلى تسوية مسألة السجناء اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل على وجه عاجل.

إنّ مجلس الأمن بواسطة قراراته جميعاً والمتعلّقة بالمسألة اللبنانية، قد وضع لبنان تحت المجهر الدولي، وبالتالي فإن كافة الأمور والتطورات الحاصلة في لبنان يجب أن تكون تحت مراقبته، لأن وضعه الهشّ يستدعي حماية دولية بواسطة الأمم المتحدة. إذن بالرغم من التأكيد والتشديد الدولي على حماية لبنان، فإن في هذه القرارات ثغرات يجب أن نكشفها ونرى إلى أي نتيجة تؤدي:

  • الثغرة الأولى: إن إمداد الأسلحة بالطرق البرية ومن خارج الحدود إلى فريق لبناني يرفع شعار المقاومة، ما هو إلا خرق لقرار مجلس الأمن 1701، وبالتالي ما يستدعي إلى خرق مماثل للقرار ذاته من قبل العدو الإسرائيلي، وذلك بخرق الأجواء اللبنانية، وحسب زعمه، لمراقبة الأسلحة وإذا كان بالإمكان منع مرورها لـ"حزب الله".
  • الثغرة الثانية: إن الدولة اللبنانية لم تتّخذ بعد قراراً بنزع السلاح من يدّ جميع اللبنانيين، وحصرها بيدها فقط. بل وإستناداً إلى البيان الوزاري الأخير للحكومة نرى بأن الحكومة اللبنانية إرتكبت خرقاً من حيث لا تدري، إذ خلقت تضارباً بين بيانها الذي بسمح لـ"حزب الله" بتمرير الأسلحة والاحتفاظ بها، وقرار مجلس الأمن 1701 الذي يمنع أي سلاح غير شرعي موجوداً.

إذاً، نحن أمام معضلة كبيرة نواجهها، إذ أنّ بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية وفق أحكام القرار 1559 والقرار 1680 والأحكام ذات الصلة بإتفاق الطائف، وممارسة كامل سيادتها على كامل أراضيها، هو شيء غير مكتمل إستناداً إلى قرارات مجلس الأمن المذكورة سابقاً. وهنا سؤال يطرح نفسه: هل وضع لبنان سليم ومتين وغير مهدّد بأي نكبة أمنية جديدة؟ وما هو الحل؟ إنّ خرق قرارات مجلس الأمن 1559 و1701 من قبل الأطراف الثلاثة إسرائيل، لبنان، "حزب الله"، ما هو إلا تثبيت هشاشة الوضع الأمني في المنطقة بأسرها وعدم وقف دائم لإطلاق النار وحل طويل الأجل، مما يؤدي إلى نزاعات حربية وربما إلى حروب ضارية، كما حصل في 12 تموز 2006.

إذن، وكما نرى، فإنّ خروقات هي من جميع الأطراف، إرادياً أو لا إرادياً، ولكي لا تقع منطقة الشرق الأوسط بالمحظور بسبب الخروقات للقرار 1701 نرى، ولمصلحة جميع الفرقاء تعميم مبادىء القرار 1701 على جميع الأراضي اللبنانية بمعاونة الدولة اللبنانية، لأنّ هكذا حل هو الأنسب للبنان لكي لا يغرق مجدّداً بأزمة المنطقة المشتعلة. وأيضاً فإنّ كل قرار دولي صادر عن مجلس الأمن بقضيّة لبنان هو قرار يهدف إلى دعم السلم الإقليمي والدولي، لأنّ أي خطأ يرتكب بهذا الصدد لا تحمد عقباه. ولذلك يجب ـ ويستحسن وضع لبنان تحت القرار 1701 دون خروقات، لإعادة السلام والإزدهار إلى جميع أفراد الشعب اللبناني وإلى جميع شعوب الشرق الأوسط.
هذا ما ينتج عنه من تطورات على كافة الأصعدة في الوقت الراهن.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.