الاقتصاد المأزوم.. ونموذج جبل لبنان

شربل بو مارون (*)

كثُرَ في الآونة الأخيرة الحديث عن الحلول للأزمة الإقتصادية الخانقة التي تعصف بلبنان، ويتحدثون اليوم عن إتباع نهج السياسات التقشفية وفرض ضرائب ورسوم وتخفيض رواتب… جميعها تطال جيوب الطبقة الكادحة. لسنا هنا بصدد شرح السياسات المعتمدة لخفض العجز وتوضيح فذلكة الموازنة، إنما نحن نعرض المشكلة والحل الموجود منذ أكثر من 1400 سنة.

بدأ الإقتصاد اللبناني بالتحوّل تدريجيًا إلى إقتصاد ريعي منذ أوائل الستينات، حيث تـمّ الاستغناء تدريجيًا عن الزراعة والصناعة وتمّ الاتكال على الخدمات. مع اندلاع الحرب بدأ شكل الإقتصاد الريعي يأخذ وجه الدعم المادي للأطراف المتنازعة، ومع انتهاء الحرب اعتُمد لبنان ليكون مركز الترفيه للجاليات العربية، ومركز الخدمة والودائع المصرفية، وبالتالي اعتمد اقتصادًا افتراضيًا هشًا، قائماً على "المكرمات" والرساميل الأجنبية المودعة في المصارف والتي تتأثر بالتقلبات السياسية والأمنية، وما أكثرها في لبنان. وقد أثبَتَت التجارب، حتى في الدول النفطية، أنّ الإقتصاد الريعي قد فشل فشلاً ذريعًا، وأنّ هذه الدول عمدت إلى إستحداث صناديق سيادية للإستثمار في قطاعات منتجة.

الكثير من دول العالم واجهت الأوضاع الاقتصادية نفسها، منها من لجأ إلى إعتماد سياسات تقشفية ظهرت نتائجها بأشكال متفاوتة، مثال على ذلك اليونان والأرجنتين وتركيا. إلاّ أنّ بعض الدول آثرت الإعتماد على إقتصاد منتج لمواجهة الأزمة وقد أثبتت هذه التجارب صوابيتها وفعاليتها، إذ تحوّلت هذه الدول من دول منهكة فقيرة إلى دول غنية، من النمور الآسيوية الأربعة (هونغ كونغ ـ تايوان ـ كوريا الجنوبية وسنغافورة) إلى النمر السلتي Celtic Tiger إيرلندا الحرة.

وفي سياق عرضي للوضع، سوف أتطرق إلى مثلين يُشبهان إلى حد بعيد الحالة اللبنانية. وفي التفصيل:

المثل الأول إيرلندا الحرّة: هي جزيرة في بحر الشمال مساحتها صغيرة مقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى، كانت منذ زمن ليس ببعيد في حالة حرب وعداء مع المملكة المتحدة التي استحدثت على قسم من الجزيرة دولة تتبِّع التاج الملكي البريطاني. نتيجة الحروب المستمرّة قررت إيرلندا تغيير نهجها الاقتصادي مستعملة نظام الـneo-corporation أو ما يُعرف بـ"النقابوية"، وهو نظام مبني على الشراكة بين اتحاد العمال ـ النقابات والدولة، قد أطلقه الديمقراطيون المسيحيون في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية. المعلوم أنّ الديمقراطيين المسيحيين سعوا لتطبيق المبادئ المسيحية في السياسة العامة وتحديدًا التعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية، والمعلوم أيضا أن البابا ليون الثالث عشر قد وضعَ أسس التعليم الاجتماعي في منشوره البابوي "ريروم نوفاروم" في عام 1891، والذي دعا فيه إلى الأيديولوجية التوزيعية الإقتصادية Distributism. أما مبادئ التعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية فهي على الشكل التالي: الكرامة الإنسانية ـ تفريع السلطة ـ التضامن الاجتماعي ـ العمل الخيري ـ العدالة الإجتماعية والتوزيعية القائمة على مبدأ الإشتراكية المسيحية كما وردت في أعمال الرسل، الفصل الرابع من الآية 32 حتى الآية 35. "وكان للمجموعة التي آمنت قلبًا واحدًا ونفسًا واحدًا ولم يكن أي واحد يعتبر أن الأموال هي أموال خاصة له بل كانت الاشتراكية مبدأ جماعياً. وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع من الأموات ونعمة عظيمة كانت تكلِّلهم إذ لم يكن يتواجد بينهم أي محتاج، وكانت توّزع الخيرات بالتساوي بين الجميع ومن دون استثناءات."

أدّى اعتماد هذه السياسة إلى تحوّل إيرلندا لـ "النمر السلتي" Celtic Tiger تيمنًا بالنمور الآسيوية الأربعة، حيث اعتمدت إيرلندا مبدأ تخفيض الضرائب الذي أدى إلى استقطاب الشركات الأجنبية، لا سيّما شركات التكنولوجيا الرقمية، وتحولت إيرلندا سريعًا إلى اقتصاد المعرفة مع التركيز على الخدمات والصناعات ذات التقنية العالية والتي تعتمد على التجارة والصناعة والاستثمار. ومن حيث الناتج المحلّي الإجمالي للفرد الواحد، فإنّ جمهورية إيرلندا تُعتبر واحدة من أغنى الدول في منظمة التعاون والتنمية والاتحاد الأوروبي. ويؤمّن إقتصاد المعرفة حوالي 16 مليار يورو سنويًا، وقد عملت إيرلندا أيضًا على تحسين الإنتاج الزراعي والحيواني اللذين باتا يشكلان المصدر الثاني للدخل الإيرلندي. وتصدر إيرلندا على سبيل المثال 70 ألف طن من الفطر سنويًا بقيمة 120 مليون يورو. كما عمدت أيضًا إلى الإستثمار في الطاقة البديلة والمتجددة، الأمر الذي خفف كلفة الإنتاج.

مثل آخر سوف نستشهد به، هو اقتصاد دولة العدو الإسرائيلي، وهو اقتصاد اشتراكي. واعتبارًا من العام 2012 إحتلت إسرائيل المرتبة 16 من بين 187 دولة على مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، الأمر الذي يضعها في خانة "متطورة للغاية". نشأ الكيان الإسرائيلي على شكل مستوطنات وقرى نموذجية زراعية وعسكرية، وهي تجمعات سكنية تعاونية تضم جماعة من المزارعين الذين يعيشون ويعملون سويًا ويطبقّون العقيدة الصهيونية الاشتراكية. هذه القرى النموذجية تعتمد شكلاً هندسيًا معينًا، وعادةً يكون مركز العبادة في الوسط مع مراكز للأعمال تحيط به الأراضي الزراعية ومن ثم المنازل ومن ثم الأراضي الزراعية. بالإجمال، وعمليًا، كانت وما زالت هذه المستوطنات تسعى إلى الاكتفاء الذاتي الزراعي، ولكن مع الوقت تحولت إلى إقتصاد المعرفة والصناعات التكنولوجية، وأصبحت هذه القرى النموذجية تُساهم بحوالي 8 مليار دولار أميركي من الصناعات العسكرية واقتصاد المعرفة. أما الزراعة فهي أحد القطاعات الإقتصادية الهامة في إسرئيل حيث تشكل 2.5% من الناتج المحلي و3.6% من صادرات إسرائيل، ويوظف القطاع الزراعي حوالي 3.7% من مجموع العمال في إسرائيل، وتؤمن إسرائيل 95% من حاجاتها الزراعية. أضف إلى ذلك صحراء النقب التي حوّلها الكيان الصهيوني إلى منطقة مزدهرة، حيث تم زرع ما يُقارب الـ 4 ملايين شجرة مثمرة، وتمّ إنشاء مراكز التطوير الزراعي التي تعتبر الأولى في العالم، جلّلوا الأراضي للاستفادة منها على صعيد إنشاء البحيرات وزيادة نسبة الأراضي الزراعية. طوروا إنتاجهم الزراعي حيث بات يُصنّف بالأجود عالميًا. كما استحدثوا مزارع للسمك يُباع إنتاجها إلى كل دول العالم. كما تخطّوا أزمة المياه حيث تتم معالجة 86% من المياه الآسنة لكي تُستعمل في الري، وعمدوا إلى تحلية مياه البحر وباتوا يُصدّرون المياه إلى الضفة الشرقية. أما بالنسبة للطاقة البديلة فأكثر من 20% من حاجة دولة العدو الكهربائية تؤمنها الطاقة المتجددة.

في العودة إلى الجذور، إلى لبنان، كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن إقتصاد جبل لبنان وعدم قابليته للحياة، إلاّ أن اقتصاد جبل لبنان كان قائمًا على ثلاث ركائز وهي: تجليل الجبال ـ الشجرة ـ العنزة. منذ أن إعتصم الموارنة في جبال لبنان الصلبة، تأقلموا مع الطبيعة وطوّعوها وجللوا الجبال وزرعوها أشجارًا إختلفت مع إختلاف العصر، فأحيانًا كانت شجرة الزيتون وحينًا شجرة الخرنوب إلى أن أصبحت شجرة التوت المستعملة لتربية دود القز، ومن بعدهم أصبحت شجرة التفاح مستعملة حتى هذه الأيام. واستخدموا الماعز الحيوان الحلوب الوحيد الذي يعيش في البيئة الوعرة. ويمكن القول إن توالي الحملات المملوكية العنيفة والتدميرية على كسروان في أواخر القرون الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر، قد تسبّبت حتمًا بإنقباض الموارنة وإنحسارهم ونزوحهم عن جرود جبيل وكسروان إلى معاقلهم في جبّة بشري والزاوية وجرود المنيطرة المتبقية. لكن إندفاعهم إلى هذا التجمّع قد حثّهم على إستنباط صيغ تُلائم وضعهم المستجد من دون التخلّي عن أصالتهم، فإذا بهم يُطوِّرون صيغة تنظيمهم التقليدية، وذلك بالحفاظ على السلطة البطريركية والإلتفاف حول محوريتها ومركزيتها، والإنضواء في الوقت عينه تحت قيادة زعماء محليين عرفوا بـ "المقدّمين". وسمح لهم هذا التموضع بتطوير قدراتهم الزراعية والتنظيمية وتطوير نظام الشراكة بين الدير والشعب. كما أتاح إتفاق الموارنة مع الأمير فخر الدين ودعمهم الصريح للإمارة المعنية، إلى فتح المجال أمامهم للإنتشار في كل المناطق اللبنانية، حتى في الشوف حيث أحسنوا استثمار الأرض وتملكت الكنيسة قسمًا من قرى الجبل بعرق جبينها وتشاركتها مع أبناء الشعب الماروني، وأصبحت هذه القرى مزدهرة، وتعاطوا التجارة ونجحوا فيها، وعززوا قوة الأمير العسكرية بولائهم ومصداقيتهم، وقد ساهم خريجو المدرسة المارونية في تطوير الشرق وتصدير المعرفة.

الدير في مفهوم الموارنة ليس مكان صلاة وحسب، بل مركز عبادة وعمل ومدارس للتعليم ومنطلق رسالة وحضارة ونضال. لقد كانت الأديرة نواة لتجمعات إقتصادية وإجتماعية هامة يعيش فيها "الشركاء" في مزارع صغيرة تحوّلت مع الوقت إلى قرى كبيرة ومزدهرة. ولم يغِب كاهن الرعية عن هذه الرسالة، فكانت معه مدرسة "تحت السنديانة"، وكانت هذه القرى النموذجية مكتفية ذاتيًا.

وقد اعتمدت الكنيسة المارونية منذ 1400 سنة نظامًا قائمًا على ثلاث ركائز:

  1. التضامن: الكنيسة المارونية عاشت مبدأ التضامن هذا عبر تاريخها، عندما كان المسيحيون يمارسون نظام "العونة" ـ "الاشتراكية المسيحية" في ما بينهم وفي تأمين حاجاتهم المعيشية والاجتماعية والأمنية والسياسية والوجودية.
  2. العدالة: جميع البشر، بالرغم من كل التمايزات، هم متساوون في بنوّتهم لله تعالى وفي كرامتهم الإنسانية، وفي تمتّعهم بالحقوق البشرية الأساسية. وهذه العدالة الطبيعية هي من صنع الله، ولا يحق لأي كان ـ فردًا أو جماعة أو دولة ـ أن يتخطّاها أو يعمل نقيضها، بالعكس واجب الفرد والدولة ووظيفتهما أن يعملا على احترام هذه العدالة وتحقيقها، فتصبح "عدالة اجتماعية" لجميع الناس، تهدف إلى إضعاف الفوارق بين الأفراد والقطاعات والمجتمعات والشعوب وتوفير تكافؤ الفرص للجميع وعلى كافة المستويات. والكنيسة المارونية تتبنّى هذين المفهومين للعدالة الطبيعية والعدالة الاجتماعية، ولا تنفّك تدعو الأفراد والمؤسسات الكنسية منها والمدنية والدولة للعمل على تحقيق هذه العدالة للجميع، خاصة الفقراء والمحتاجين والمعوزين الذين لهم الأولوية في رسالة الكنيسة.
  3. الترّقي: العدالة لا تكتمل إلاّ بترافقها مع ترّقي الإنسان. والترّقي مفهوم مسيحي يرتكز على النموّ الإقتصادي والإنماء الإجتماعي ليتخطّاهما إلى ما هو أرفع وأسمى للإنسان، إذ يوصله نحو الكمال والاتحاد بالله. والكنيسة المارونية عبر تاريخها كانت رائدة في مجال إنماء مجتمعها وترقّيه، فهي التي عمدت إلى نشر التعليم، خاصة منذ إنشاء المدرسة المارونية في روما عام 1584، وهي التي أقرّت إبّان المجمع اللبناني الذي إنعقد في العام 1736، التعليم الإلزامي والمجاني لجميع الأولاد الموارنة حتى الفتيات منهم، وألزمت كل رعية وكل دير على استحداث مدرسته الخاصة. وهي التي من خلال نظام الشراكة عمّمت الأعمال الزراعية، ونمّت الأراضي الوعرة في الجبل اللبناني، وقد كان الرهبان خاصة يُشاركون الشعب في العمل الزراعي وتربية المواشي وصناعة الحرير… كما مارسوا الحِـــــرَفْ على أنواعها، وعلّموها للعامة وعلى مختلف أنواعها طباعة ـ حياكة ـ نجارة ـ صناعة فخّار ـ بناء ـ حدادة…

بالعودة إلى مَثَلَيْ إيرلندا والكيان الإسرائيلي، نلاحظ أن اقتصاد الموارنة كان سبّاقًا في نشر اقتصاد المعرفة والتقنيات الحديثة، وما هي تعاليم الكنيسة الإجتماعية الإجتماعية إلا نظرية أُطْلِقَت قبل 100 عام والموارنة طبّقوها منذ 1400 عام، وما هي القرى النموذجية الإسرائيلية التي تُدِّر مليارات الدولارات لإقتصاد دولتهم إلاّ إستنساخًا للقرى المارونية في جبل لبنان.

إذًا فالمطلوب هو إعادة إحياء القرى، وإنشاء مؤسسات تتعاطى اقتصاد المعرفة، وتطوير نوعية الإنتاج وبكافة مندرجاته لكي نتمكن من تصديره… ونحن كلنا ثقة أنّ الكنيسة المارونية على استعداد لإعادة مبدأ الشراكة مع الشعب، الأمر الذي يحل أزمة الإسكان والإنتاج وتخفيف التلوث والزحمة في المدن…

مستقبل لبنان هو الزراعة واقتصاد المعرفة. الجهود بدأت اليوم في جبّة بشرّي من حيث تصدير اقتصاد المعرفة وتطوير نوعية الإنتاج الزراعي… هذه الظاهرة ستتمدَّد لتصل إلى أقصى الجنوب اللبناني الصامد بوجه الرياح العاتية، قرى الشريط الحدودي بدءًا من رميش وصولاً إلى مرجعيون وسهل الخيام… والغد لناظره قريب.


(*) باحث وأستاذ جامعي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.