البطريرك نصرالله الأول

الدكتور انطوان صفير

يا أكرم الراحلين الى سجلات الخلود.

أصعب الأحرف أدوّنها في يومٍ دامعٍ يتحلق فيه أهل لبنان وقادة دول حولك، يا من شكّلَ من على كرسيه البطريركي ضمانة وجودٍ لا تستكين، ورسالة حضور لا تنكفئ، وكلمات تعليم لا تملّ.
وكيف أسكب المعاني بكلمات بليغة في يوم وداعك، وأنا من تتلمذت على بلاغتك، وعمق معانيك.
كيف أرثيك يا سيد الرثاء، وما "غابت وجوه" بحزأيه الا مرجعاً في لغة العرب وفن الرثاء وتأريخاً لشخصيات طبعت التاريخ.
هو التاريخ الذي صنعت من جديد دون أن تتصنّع.

يا سيّدنا الحبيب،
لن أقول وداعاً – وعيناك اللامعتان شاخصتان في ذاكرتي،
وأجوبتك "المتزنة" راسخة في قلبي،
وعفافك الشخصي والإنساني قابع فيّي،
وثباتك في قضايا الوطن… أمثولة سنتناقلها جيلاً بعد جيل.

يا أمير الكلمات الكاملة المعاني، عرفت كيف تقود مسيرة ال ٧٥ من أسلافك العظام الى رحاب القرن الحادي والعشرين، فزاوجت مقتضيات التقدّم العلمي بروح قنوبين القداسة وحياة الزهد التي عاشها نساك هذا الوطن وصديقوه وانت منهم، ولو في قلب الصخب السياسي والفكري.

منذ طفولتي وحتى اليوم، كنت محط الأنظار ورمز العز العائلي والوطني، مطراناً مميزاً بسيرته وطلتّه المنبريّة.
وبطريركاً أعطيَ له مجد لبنان- فناضل من دون كلل، وقاتل بسلاح الصلاة والكلمات، وردّه مجداً لشعب لبنان وسيادة للبنان،

وها لبنانك – الحلم يلاقيك في بكركي قلعة الوطنية ويتواصل مع لبناننا المنتشر صلاةً ودموعاً وبخوراً.

السواد لا يشبهك وانت القائل: "والحقيقة ناصعة كالشمس ستعود مشرقة من جديد مهما حجبتها غيوم الكذب والنفاق".

يا رسول الحق ولا مواربة، وأنت القائل: "دولة الظُلم ساعة، ودولة الحق الى قيام الساعة".
يا مناضل الحرية ولا مغالاة،
وأنت القائل : "تعشقنا الحريّة التي إذا عُدمناها عُدِمنا الحياة".
يا رافض العنف اللفظي والفعلي ولا مناقشة،
وأنت القائل: "إنّ العنف لا يجرّ غير العنف ولا يحل أي مُشكلة".
يا صوت التعددية والتوازن ولا تخاذل،
وأنت القائل: "إذ خُيرنّا بين العيش المشترك والحرية فسنختار الحريّة".
يا منادياً بالديمقراطية ولا تراجع،
وأنت القائل: "تعني في الأساس السماح للشعب بإيصال من يختاره وليس من يختارونه له".
يا رائد الإستقلال الثاني ولا محاباة،
وأنت القائل: "نريد إستقلالاً بحكومة تنتقي أشخاصاً صالحين، لا زناة ولا سكيرين ولا مقامرين ولا طماعين، نزهاء…".

يا معتقداً بأزلية لبنان ولا شكوك،
وأنت القائل: " سيبقى لبنان بلد الحرية والديمقراطية والتعددية ولا معنى للبنان دون هذه الصفات"
يا أبن الأرض… عن حق
وأنت القائل: "أرض الوطن، كالوطن، أمٌ يجب محبتها فقيرة كانت أم غنية"

أمّا بعد… فقد حان الفراق بيننا بعد سنوات سنوات من الإكتناز من فكرك النيّر وقلبك القوي…

يا سيدنا،
أنتَ نصرلله الأول الكبير، رَسَمت مدرسة حياة جديدة في مسار التاريخ العابق… الذي سيكتب والقول قول حق أن قبلك كان زمنٌ بطريركي وطني… ومن بعدك ولو بعد حين من السنوات سيأتي من يحمل إسم نصرلله الثاني… تيمناً بك وتمثلاً بفضائلك وتطبعاً بخصالك وترجمةً لمواقفك الشاخصة الى جيل الأجيال.
ولن أقول وداعاً… فأنت في قلبي وضميري

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.