كيف نشأت فكرة الموازنة وتطوّر مفهومها؟

المحامي الياس عقل خليل

لم تنشأ الموازنة، بمفهومها العلمي الراهن، إلا بعد نشوء الدولة، وذلك بعد انتقال المجتمع من الحياة القبلية إلى الحياة الإقطاعية، وبعدها انتظم المجتمع في دولة تقوم على رأسها حكومة، وأصبحت الضرائب دائمة ومتعدّدة، الأمر الذي حمل الشعب على التفكير في أمر الضرائب المفروضة عليهم، وفي كيفية إنفاق هذه الضرائب. من هنا نشأت فكرة الموازنة.

ويعتقد أن الرومان هم أول من اضطر إلى تنظيم واردات الدولة ونفقاتها، وكانت توضع حينذاك لمدة خمس سنوات.

أما في القرن السابع عشر، في العام 1638، تسلّم البرلمان الإنكليزي، بعد عراك طويل بينه وبين الملك، الصلاحيات المتعلقة بفرض الضرائب وإنفاقها، حينها تبلورت فكرة الموازنة بمعناها الحديث وانتقلت من بريطانيا إلى سائر الدول. وقد أدخلت عليها تحسينات هامة، فالسلطة التشريعية لم تعد تكتفي بمناقشة الواردات والنفقات وتصديقها والإذن بها، بل أصبح يحق لها مراقبة تحصيل الأموال العمومية من قبل السلطة التنفيذية.

تطور مفهوم الموازنة:

للموازنة، في الأصل، طابع مالي فحسب، تحدد نفقاتها استناداً لحاجات الدولة الإدارية والسياسية، وتستدرك الواردات لتغطية هذه النفقات.

والموازنة المالية بقيت محتفظة بطابعها المالي لمدة طويلة من الزمن، إلى أن أخذ معظم الدول يتجه ناحية التدخل في حياة الأمة وتوجيه نشاطاتها. عندئذٍ بدأت الموازنة تفقد طابعها المالي لتكسب خصائص اقتصادية واجتماعية منها: الموازنة الدورية، الإنسانية، والموازنة القومية والإقتصادية.

ما هي مبادىء الموازنة وكيفية تطورها؟

هناك عدة مبادىء للموازنة منها:

1 ـ مبدأ الشمول.

2 ـ مبادئ الشيوع أو قاعدة عدم تخصيص الواردات.

3 ـ مبدأ الوحدة.

4 ـ مبدأ السنوية.

مفهوم مبدأ الشمول يرتكز على قاعدتين: قاعدة الصوافي وقاعدة الشمول.

فقاعدة الصوافي تسهل سير معاملات المالية وتختصر مراحلها. وأيضاً فإن الموازنات التي توضع على أساسها هي مصغرة لكونها لا تتضمن سوى الرصائد الداكنة في قسم الواردات والرصائد المدينة في قسم النفقات. ولكن لهذه القاعدة سيئات ترجّح كفتها على كفة الحسنات، فهي تحول دون تمكين المجلس التشريعي من مراقبة الأموال العمومية مراقبة كاملة. أيضاً فهي تحمل على التبذيبر، فالحكومات التي تضع موازنتها على أساس هذه القاعدة تميل إلى زيادة قيم النفقات التي تحسم من الواردات وإلى تخفيض قيم الواردات التي تحسم من النفقات لكي تزيد امكاناتها في الانفاق. إن وجود مثل هذه الفروقات الفائضة عن الحاجة تحثّ الحكومات على الاسراف والتبذير.

أما قاعدة الشمول، فهي تؤمّن حقيقة الأوضاع المالية، وذلك أن كلاً من الواردات والنفقات يقيّد برمته من الجداول الفائدة له دون أي حسم أو غموض، على خلاف قاعدة الصوافي التي تخفي مبالغ كبيرة تحسم من الواردات أو النفقات. هكذا تتمكن الحكومة ـ والباحثون ـ من معرفة الامكانات ومنابعها، ودراسة أعبائها، ومعرفة الوجوه الحقيقيّة التي تنفق من أجلها الواردات.

وتؤمن أيضًا حق مجلس النواب في تصديق الموازنة والإذن بها، وإجراء مراقبة دقيقة، لدى قطع الحساب السنوي. وأيضاً تحول دون التبذير الذي يرافق قاعدة الصوافي، ولا يجوز للحكومة أن تتصرف بأي مبلغ إضافي. وتحول بالتالي دون تخصيص واردات معينة لنفقات معينة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.