برنامج حكومة عملاقة.. وإلاّ ترّقبوا الأسوأ!

بسام ضو (*)

أيّها السياسيّون، خلافاتكم لم تَعُد تنطلي على أحد، فقد أصبحتم مسخرة كل العالم، ومماحكاتكم ترخي بظلالها على كل مجريات الشؤون السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية… في البلاد وتؤثِّر بشكل مباشر على حياة كل اللبنانيين، بمن فيهم الذين تحتجزونهم في أفكاركم الهدّامة.

فراغ حكومي قاتل يتزامن مع حرمان كل اللبنانيين من أبسط حقوقهم، كالكهرباء ـ المواصلات ـ السكن ـ الطبابة ـ التعليم ـ الماء، على ما عداها من حقوق تنص عليها الشرائع المدنية والروحية. إنّ هذه المعاناة ستستمِّر طالما أنتم في المراكز السياسية الحسّاسة، وطالما لم تقتنعوا بعد أنكم جميعًا مستهدفين من الشعب الثائر، وليس من باب الصدفة أن يردّد الثوّار في الساحات "كلُن يِعني كلُن"… وعبثًا تفتشون عن أسباب تخفيفية لإقناع الناس بأنّ البعض منكم بريء ولا علاقة له بالذي حصل والحاصل والذي سيحصل إنْ استمرّيتم في عهركم السياسي. إتقوا الله ليعفوا عن ذلاّتكم والتي هي أشبه بذلّة الزنى.

بصفتي باحث سياسي وعضو في المجلس الوطني لثورة الأرز، وانطلاقًا من غيريتي على وطني ومؤسساته الشرعية المدنية والعسكرية، أتمنّى على كل ثائر من بني أمّتي اللبنانية العظيمة التنّبُه من الأخطار التي تُحاك ضد الثوّار والثورة. علينا بدايةً أن نتحّد حول منظومة سياسية واحدة تعمل على تطبيق القوانين اللبنانية المرعية الإجراء، وفي طليعتها قانون الدفاع الوطني الذي يحصر عملية الدفاع عن لبنان بواسطة قواه الشرّعية الرسمية، والضغط بكل الوسائل القانونية ـ الدستورية المتاحة لتنظيم ثورة وطنيّة واحدة الأهداف، تضع إطارًا زمنيًا لإنطلاقتها وعملها ونهايتها، إنطلاقًا من مقدمة الدستور، وتحديدًا الفقرة /د/ والتي تنص على أن "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يُمارسها عبر المؤسسات الدستورية…".

أيّها الثوّار الشرفاء، إعلموا أنّ هناك أخطارًا محدقة بثورتنا وأبعدوا الدخلاء عنكم وعنّا، وتعالوا لا نتردّد في دعم ثورتنا ودعم شعبنا الأبيّ من نيل حقوقه المشروعة، وبالتالي علينا رفع مذكرة إلى المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في الأمم المتحدة وكل سياسي عالمي، مرورًا بحاضرة الفاتيكان والصرح البطريركي الماروني، لمساعدتنا على تطبيق ما نصبو إليه من منظومة سياسية من شأنها إعادة الإعتبار للدولة ولمؤسساتها الشرعية الأم…

أيّها الثوّار، علينا تجاوز الخوف من ردود فعل تلك السلطة الجائرة وتهديداتها ومن يعاونها في لبنان وخارجه، وجميعهم للأسف لا يريدون للبنان أن يكون مجتمعًا حضاريًا تعدُديًا ديمقراطيًا ووطنًا حرًا لكل أبنائه… إنّ هؤلاء السياسيين يريدون لبنان مستنقعًا للتفرقة وورقة ضغط في أيدي الجمهورية الإسلامية كي يبقى ضعيفًا أمامهما وهشًا…

أيّها الثوّار، مفهوم ثورتنا متعدّد الدلالات والأشكال، وهو مفهوم سياسي مبني على العلم السياسي وركائزه، ومرتبط بتطوّر فكرنا السياسي التحرّري، وأدوات تعبير ثورتنا هي: الفكر ـ الحق الذي لا يُعلى عليه أي أمر ـ الحرية ـ العدالة ـ المساواة ـ السيادة التّامة والناجزة ـ الديمقراطية ـ دفع الظلم، وكل أمر يرتبط بحقيقة وجودنا على الأرض اللبنانية وحيث وجدنا في عالم الإنتشار…

أيُّها الثوّار أهم مطلب لنا اليوم من مطالبنا المشروعة هو تشكيل حكومة يتشارك فيها الثوّار، على قاعدة المشاركة في الحكم من خلال إسناد حقائب وزارية، على أن تُراعى وضعيتهم اللبنانية والميثاقية، وألاّ يُحرموا من التمثيل العادل، وحذار التلاعب في هذا الأمر…

أيُّها الثوّار، علينا المُطالبة بإشراكنا في صياغة البيان الوزاري الذي سيكون حتمًا مختلفًا عن البيانات السابقة، بحيث يخلو من الحشو ومخالفة الدستور والقوانين…

أيُّها الثوّار، بعد التشيكلة الحكومية ومشاركتنا فيها، من أهم مطالبنا هو درس وإقرار قانون إنتخاب عادل للجميع يضمن التمثيل الحقيقي للشعب اللبناني، لا كما حصل في القانون السابق والذي أوصلنا إلى الحالة الحاضرة؛ ومن ثمّ المطالبة المشروعة بإعادة تكوين السلطة.

أيُّها الثوّار، إنّ مفهوم المشاركة السياسية، وإستنادًا  إلى العلم السياسي، يندرج علميًا في إطار التعبير السياسي والشعبي وتسيير الشأن العام من قبل أطراف المجتمع، سواء أكانوا منظّمين في أحزاب أو أندية ثقافية أو منظمات إنسانية وغيرها، وهي فعليًا وقانونيًا أرقى تعبير عن الديمقراطية في القضايا التي نُعاني منها… وقانونًا أيُّها الثوّار كل فرد مِنّا يحق له المشاركة في كل عملية سياسية شرط أن يلتزم ما أقرّته القوانين والأعراف الدولية والقانون اللبناني… وإنّ حقّنا في التعبير هو من أهم الحقوق التي كفلتها شرعة حقوق الإنسان، لأننا في وقفتنا هذه نُساهم مُساهمة عظيمة في صنع القرار واتخاذه وفقًا لما تنص عليه القوانين المرعية الإجراء.

أيُّها الثوّار، المقاربات التي يُقدمها أركان الحكم عندنا حول الأزمة السياسية لا تنطبق تمامًا على الواقع السياسي العلمي، وحين نتأمل في واقع السياسيين وممارساتهم التي يُوازي فعلها فِعلَ الشّر، وهي عمليًا لا تحقِّق وظيفتها المفترضة، والتي هي المحافظة على الدولة ومؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية… وأقل ما يُقال عن تلك السياسة أنها: منعدمة ـ مُجيّرة للغريب ـ ناكرة للجميل ـ ناهبة.

إنّ تواجدنا في الساحات العامة حضاريًا، هو الخطوة الأولى نحو تشخيص الأزمات السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية… إذ أنّ اختزال موضوع إصلاح هذا النظام ومحاربة الفساد وتصحيح المسارات، برفع شعارات فارغة، هو نوع من المراوغة التي مكّنت السلطة القائمة حاليًا من إعادة رفع معنوياتها ممّا أدّى إلى ضرب وشرذمة المعارضة وجعلها معارضات على ما يحصل في بعض الساحات، وهذا أمر من الضروري التنّبُه له والعمل على سحقه وردِّه إلى شياطين السياسة.

أيُّها الثوّار منذ 17 تشرين 2019، وتحاول تلك السلطة الجائرة ترسيخ سلوك وممارسة تقوم على أساس جمع التناقضات… إنّ حُكام اليوم لا يمكنهم أن يقدموا نموذجًا سياسيًا لبناء دولة عصرية ديمقراطية، فهؤلاء لم يتجاوزوا بعد نمط التفكير بالتجدُّد، لذلك يعملون جاهدين على تقسيم مغانم الدولة لتوسيع دائرة نفوذهم وسلطتهم على حساب الدولة. إنّ هؤلاء السياسيين لم يَعُد باستطاعتهم إنتاج نظام سياسي يستجيب لمتطلبات الثوّار، بل باتت وظيفتهم الأساس هي خدمة الإقطاع السياسي العائلي.

أيُّها الثوّار، لا يمكن التعويل على المُشاركة مع هؤلاء السياسيين، فما رسّخوه من محاصصة سياسية بعناوين طائفية وشخصنة المؤسسات السياسية، لا يُنتج إلاّ إنسدادًا سياسيًا وأبرز مظاهره السعي لتشكيل حكومة على قياس أحجامهم الوهمية ومصالحهم الخاصة…

أيّها الثوّار إنّ تواجدنا الحضاري في الشوارع وأمام المؤسسات الرسمية، سيقطع الطريق أمام الحلول الجزئية التي تسعى تلك السلطة الجائرة تمريرها، ولن نقبل بديلاً عن تشكيل حكومة يُشارك فيها الثوّار بمنظومتهم السياسية التي تضع القوانين اللبنانية والدولية، في طليعة مطالبها الإجرائية، ولن ترضى بأي تمييع لأيٍ من المطالب…

إننا نُحذّر من تشكيل حكومة لا ترضى بثقة الشعب، وهذا أمر لا يُبشِّر بالخير، وكل المؤشرات تثير مخاوفنا… وبالتالي على من في يدهم الأمر سماع صوت الشعب الثائر وعدم التنكُّر لمطالبه.


(*) كاتب وباحث سياسي
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.