يالطا جديدة للشرق الأوسط؟

/ المحامي الياس عقل خليل /

تؤكّد الجيوبوليتيك، رغم اقتصارها على الأساسيات، أن العقل المسيّر لكل هذه المنطقيات التحليلية، والتخطيطيّة، والمدبرلإنجاح التوافق بين الكبيرين، انما هو العقل اليهودي العالمي، الوصيّ على مصير اليهوديّة كلّها، فهو يفعل مباشرة من خلال الإدارة الأميركيّة الرسميّة، وبإسم الولايات المتّحدة، وهو أيضًا بصورة غير مباشرة ولا ظاهرة، من خلال إدارات وأنظمة استخبارات أخرى في جميع الدول المعنيّة.
ولا بدّ أن نتذكّر دائمًا، لكي نفهم معاني الأحداث المتلاحقة ونتصوّر أبعادها الحقيقيّة، ان اليهوديّة العالميّة تسعى، دون أدنى شك، إلى إقامة "الإمبراطوريّة السامية" على أرضية السلم العادل والشامل والدائم في المشرق السامي المعروف بالشرق الأوسط. وإن هذا السلم قد تسلّمت الولايات المتّحدة علنًا ومباشرة، مسؤولية تنفيذه. ولكن بعد أن أصبح ممكنًا تنفيذه، بالرغم من جميع الظواهر أو المستحيلات المموّهة. ولا ريب في أن هذا الامكان عائد إلى الضمانة التي تمّ وضع أسسها، قبل المباشرة في حرب "السلم في المشرق"، وهي ضمانة الموافقة الروسيّة الباطنيّة، من خلال التوافق الجديد المقترح. الحضور الروسي في الشرق الأوسط، لم يكن مرة أكثر من مجرّد ايجابيّة سياسيّة لا تعتمد على الحاجة الفعليّة إلى القواعد والاحلاف العسكريّة بقدر ما تعتمد على توظيف فاعليّتها في سوق المقايضات الأميركيّة، ابتداء من قواعد النفوذ السياسية التي تفوّقت بإيجادها.
فالمصالح الروسيّة في الشرق الأوسط "سلبية" بطبيعتها ومراميها، لأنها لا تقوم ـ كما المصالح الأميركيّة ـ على وجوب ضمانة ثروات استثماريّة أو سوق تجاريّة ضرورية. بل أنها توجد وتنحدر في مدى القدرة على تخوين المصالح الأميركية الموظفة، هي، في أرض المنطقة. أو على تهديدها فعلًا لاستثمار ذلك في اللعبة السياسية الدائرة.
لم تكن المصلحتان متناقضتين إلى حد الصدام العسكريّ. كانتا برسم المساومة وما تزالان. لذلك وضعت شروط الصفقة بينهما وبين ملفاتهما بمساهمة الوسيط اليهودي، ومن شروطها الإيجابيّة:

1- أن يبقى الاتفاق سريًّا ويحرص الفريقان على تمويه موجباته الظاهرة.
2- يؤكد الفريق الوسيط، اليهودي، أن الحصة الوحيدة التي يبغيها من كامل الصفقة، هي ضمان مستقبل إسرائيل وتوفير الجوار الآمن لشعبها التاريخي، وأن الباقي ملك للفريقين الأميركي والروسي.
3- يصار إلى تصحيح خريطة النفوذ العامّة بحيث تزال منها السلبيات التي افرزتها المصالح المتطوّرة، والتي باتت ثقلًا على الفريقين، دون أن يفيد منها أحدهما، عدا الآخرين الإنتهازيين. ويعمل كل من الفرقاء الثلاثة في مناطق نفوذه وقواعده العسكرية والسياسية والإقتصادية على إبرام هذا التصحيح، حسب "الخريطة المقررة" وبالأسلوب التمويهي الذي لا يدل على الفاعل الحقيقي، لعدم تعريض الخطة للفشل من قبل أي من الخاسرين فيها وبالأخص بريطانيا "داهية الأمس" في المقدمة.
4- يتخلّى الروس عن شروطهم التقليدية السابقة، ويعتمدوا "الطريقة الأميركية" في السيطرة والنفوذ، عن طريق تأمين مصالحهم في الدول المعنية بواسطة معاهدات واتفاقات وارتباطات لا تشترط التواجد في النظام. لأن هذا "أرخص وأجدى". وأيضًا بتفعيل نفوذه الخفي من أجل "تفتير" الإشتراكية وأنظمتها في عالم اليوم المتعب… وتحويلها من نوعية المحميات السوفياتية المعلنة، كما في الماضي، إلى فريق متوسطي لا متطرّف بين الشيوعية والرأسمالية، لتسهيل الإنتقال.
5- تتخلى الولايات المتحدة عن مساندتها الهائلة للغرب الأوروبي في وجه المصالح أو "الأخطار" الروسية، و"تدوزن" انفتاحها الاستراتيجي الجديد على الصين.
6- يشمل الإتفاق خريطة العالم الكاملة، وخصوصًا الجنوب الغربي الأسيوي، والشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً في المنطقة الأولى، وروسيا تمتلك نفوذاً في المنطقة الثانية التي يستميت من أجلها الأميركيون، يفوق مصالح روسيا الحقيقية فيها. ولذا يتفق الاثنان على تبادل المنطقتين، وعلى تأمين استقرار كل منهما، بأنظمة ثابتة متسالمة، لتأمين استقرارية المصالح فيها وذلك باستعمالهما كافة الوسائل، حتى العسكرية منها.
والأهم بالنسبة للمنطقة الموجود فيها لبنان، "الشرق الأدنى"، فهي بكاملها ـ بعد توضيب حدودها الضائعة في الشرق الأوسط الحالي ـ تحت الراية الأميركية، وتتولى هذه الأخيرة تصحيح خريطة الشرق الأوسط التاريخية والسياسية، وإزالة جميع الأنظمة والحواجز اللاطبيعية واللاشرعية التي نصّبها عليه "الاستعمار السابق" وذلك من أجل إقامة السلم العادل والشامل والدائم، الذي يؤمن استقرارية المصالح الأميركية. ويشمل هذا الشرق: اسرائيل، لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن، العراق (بعد فصل الجزء الكردي عنه)، الخليج العربي بكامله، والجزيرة العربية بكاملها. لذلك، تساهم اسرائيل بقسطها في عون الولايات المتحدة على التنفيذ، وكذلك يساهم النظام الروسي بضبط الأنظمة "الصديقة" التي تطالها حتمية التغيير، لإسقاطها في الوقت المعين.
هذه هي النقاط الأساسية والمهمة في الاتفاق الذي يحلو للكثيرين أن يسموه "يالطا الجديدة"، والأساليب المتّبعة في تحقيقه والمبررات التاريخية أو الاستراتيجية أو المستقبلية، لولادة ما يسمى بـ " إتفاق الخصومة الإيجابيّة".
هذا ما يعاني منه الشرق الأوسط ، وخاصة لبنان، لأنه يعتبر العنصر الأضعف في المعادلة الشرق أوسطية بما يعانيه منذ أكثر من ثلاثين عاماً وما يعانيه في هذه الفترة العصيبة من تاريخه،، لأن مسيرة الجلجلة لديه لم تستنفد جميع عناصرها، ولم يوجد لديه رجال عظماء لفرض وجوده على جميع الساحات الإقليمية والدولية بما لديه من محتويات ومعطيات سياسية وأمنية وإقتصادية وإجتماعية.

لذلك نرى بأن الشعب اللبناني الذي يتوق إلى الحرية عليه أن يثور على ذاته وأن يحارب في مسيرته الاستقلالية، كما يحصل اليوم، للوصول إلى الوجود الحقيقي، ويكون نجم الحرية الساطع لبلدان الشرق الأوسط بدون أغلال التبعية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.