كيف نحمي القوات الشرعية… لتحمي الوطن؟

بسام ضو (*)

أصحاب المقامات الرسمية، نوّاب رؤساء وزراء فعاليات ولمن يهمّه الأمر السيادي في الجمهورية اللبنانية، عليكم الإطلاع على ما ورد في المرسوم الإشتراعي رقم 102 الصادر بتاريخ 16 أيلول 1983 والتعديلات التي طرأت عليه بدءًا من العام 1984 ولغاية تاريخه. وأخص بالذكر الباب الأول "تحديد الدفاع الوطني" الفصل الأول (أحكام عامة) المادة الأولى والتي تنص على "الدفاع الوطني يهدف إلى تعزيز قدرات الدولة وإنماء طاقاتها لمقاومة أي إعتداء على أرض الوطن وأي عدوان يوجّه ضده، وإلى ضمان سيادة الدولة وسلامة المواطنين… يُقصد بالقوى المُسلّحة: الجيش، قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، وبوجه عام سائر العاملين في الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات الذين يحملون السلاح بحكم وظيفتهم". كما ألفت نظركم إلى المادة السادسة (سياسة عامة دفاعية وأمنية) والتي تنص "يُقرِّر مجلس الوزراء السياسة العامة الدفاعية والأمنية ويُعيِّن أهدافها ويُشرف على تنفيذها".

سؤال يطرح في ذهن كل مواطن لبناني: أين أنتم من قانون الدفاع الوطني وبنوده في دولة ما بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني بموجب قانون دستوري رقم 18/90؟ ومن هي السلطة المتخاذلة عن تطبيق ما ورد في هذه الوثيقة التي أصبحت دستور الأمة، وما سبقها وما تلاها من قوانين، ولاسيّما قانون الدفاع الوطني؟!

الوطن بالنسبة إلينا هو من أهم الأمور الحيوية التي تهمّنا ونهتّم بها، ولا نبخل أي أمر في سبيله. الوطن ليس قطعة جغرافية من أرض معينة بالنسبة إلينا، بل هو قدس الأقداس. الوطن لبنان بالنسبة إلينا هو تعريف مادّي ومعنوي يُشكّل تلك العلاقة الوثيقة بيننا وبينه، وهو العلاقة التي تربطنا بهذه الأرض المقدّسة. وهذه العلاقة الوثيقة تتجسّد بكون وطننا هو حافظ هويتنا وتراثنا وتقاليدنا وعزّتنا وعنفواننا.

الوطن بالنسبة إلينا غير قابل للتفاوض عليه، لأنه أرض الأجداد الذين طوّعوا الصخر وحافظوا على سيادته مهما غلت التضحيات وسَمَت الشهادات، الوطن هو ذاكرتنا وهويتنا، ولأنه من أجمل بقاع الأرض على المعمورة. فحذار التعرّض للسيادة الوطنية ولكرامة مؤسساتنا الدستورية.

الوطن مركز إقامتنا نحن الأحرار الشرفاء، ويستحق أن يُدافع عنه كل عسكري شرعي، وبكل ما أوتي من قوة ومن جهد، حتى لو كلّفه الأمر حياته. وحذار إهمال متطلبات القوى العسكرية الشرعية. الدفاع عن الوطن أمر مُلْزِم ولا يكون إن تعرّض الوطن للإعتداء مثلاً، ومن أبرز ما يتعرّض له وطننا من إعتداءات هو إعتداء رجال السياسة بإخفاقاتهم وتقاعسهم عن القيام بما ينوط بها الدستور من مهام في الدفاع عن الوطن. وأذكر ما ورد في الدستور اللبناني ولا سيّما المواد : 2، وأيضًا الفصل الرابع ـ السلطة الإجرائية، المادة 49، ثانيًا ـ رئيس مجلس الوزراء المادة 64، ثالثًا ـ مجلس الوزراء المادة 65، لأسأل أصحاب المقامات عن التقاعس في تطبيق ما ورد في هذه المواد، ومن هو المسؤول الأول عن هذا الإهمال المتعمّد؟!

هناك نوع متعمّد من الإهمال في ممارسة السياسة، وهو إعتداء سافر على الوطن عن طريق الفساد الداخلي لمن يُمارس السلطة بدون وجه حق عن طريق تزوير إرادة الشعب من خلال إقرار قوانين إنتخابية تُراعي مصالح السياسيين، وعن طريق نهب ثروات الوطن، وعدم تحمّل أمانة المسؤوليات العظيمة التي ألقيت على عاتقهم في صون مقدرات الوطن وثرواته وثروة المواطنين… وهذا هو السبب الرئيسي لضياع الوطن، حيث أنّ هذا السبب أدّى إلى ضعف الدولة ومؤسساتها الرسمية، المدنية والعسكرية، حيث أدّت هذه السياسات إلى نشوء مخططات وطمع الخارجين عن القانون والمُدّعين الحرص على سيادة وطن، وهم فعليًا جيّروها للغريب طبقًا لمصالحهم ولبقائهم في سلطة عفنة فارغة من أي كرامة إنسانية. والأنكى أنهم يدّعون العفّة والطهارة، بينما هم مُجرّد دُمى في يد غريب يُحركهم وفقًا لمصالحه. الأمثلة كثيرة، وأختصرها بغيض من فيض، حيث جيّروا السيادة للفلسطيني عقب إتفاقية القاهرة المُذلّة، وبعضهم وقف مع العمل الفدائي ليس حبًا بقضية فلسطين المحقّة بل رغبةً منه في ممارسة سلطة صُوَرية على حساب السيادة المُطلقة. وبعضهم حاول بناء ميليشيات على حساب الأجهزة الرسمية، وكان الإقتتال الداخلي والإرتهان لخارج فرّق بين اللبنانيين وتآمر على ما نصّت عليه القوانين المرعية الإجراء، وليس آخرًا إقتتال داخلي ـ داخلي تحت عنوان: الوصول إلى سدّة الرئاسة بأي ثمن. وكانت إتفاقية الطائف التي لُزِّمت الى الدولة السورية، حيث عانينا الأمرين من حكم المخابرات والأجهزة الرديفة التي أنشئت على ضفافها وفتكت باللبنانيين وبالمؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية، والتي أغرقت الخزينة بمديونية فاضت على الـ 100 مليار دولار دين، واليوم يتحفوننا بإصلاحات مُزيفة الهدف منها مزيد من المديونية ومزيد من إضافة الأعباء على كاهل المواطنين، في حين تُقفل المؤسسات وتترهّل، ويسعون إلى حسم من رواتب العمّال وموظفي الدولة المدنيين والعسكريين… حقًا إنها الوقاحة بحد ذاتها.

ويأتينا من يقول إنّ الدولة عاجزة، ولا يُمكن لقواها الشرعية أن تقوم بالمهام الموكلة إليها. وتبلغ الوقاحة بأنه يعطينا الأمل بأنه الضمانة لبقاء الدولة، ولولاه لكانت الدولة سقطت…! حقاً "يلّي إستحوا ماتوا…".

شروط قيام وإستمرارية الدول أن تكون لها قوى مسلّحة مدرّبة ومسلّحة بأحدث العتاد والسلاح، بحيث ينافس سلاح أي دولة جارة ويتفوّق عليها. ومهام هذه القوى الشرعية ترتقي إلى حماية الوطن ومؤسساته الشرعية المدنية والعسكرية، وإلى حماية الدولة وشعبها من أي إعتداء سواء أكان خارجي أم داخلي، أو بإستخدام الإجراءات الإحترازية التي تمنع أي تطاول على السيادة الوطنية.

لكون القوى المُسلّحة حاميةً للسيادة وللإستقلال وللبنى التحتية ضد كل المخاطر، لِذا من واجبكم دعم القوى المُسلحة الشرعية، ومن هو أكثر إقدامًا وأكثر إستعدادًا للتضحية لحماية الوطن؟ فكل الضباط والعسكر، لأي جهاز أمني إنتموا، هم أبناء الوطن وهم الحماة الأوائل عن الوطن. عليكم عدم التقصير بدعمهم، وتوفير الأموال اللازمة لهم. وعليكم أن تستعينوا بخبرات تدريبية علمية من دول صديقة وحليفة. وعليكم إستيراد الأسلحة المتطورة المصحوبة بخبراء من دول معينة لتدريب الأجهزة الأمنية الرسمية على إجادة إستخدامها، وإعداد مدربين لبنانيين لتدريب الأفواج الشبابية المتطوعة. وإن فشلتم، فلا تدّعوا التقيّة، فحتمًا أنتم فاشلون ومُراؤون وكذبة…

يعتبر العلم السياسي مفهوم السيادة الوطنية National or Popular Sovereignty من المفاهيم السياسية التي لا يجوز تفسيرها ظرفيًا أو إنتقائيًا لأنها ترتبط بشكل خاص في القانون الخاص بحقوق الإنسان، ولا يجوز لأي سياسي أن يتغاضى عن موضوع السيادة أو يُفسِّرها وفقًا لمعطى مُعين يخدم مصالحه كما هو حاصل اليوم… إنّ الدول المتحضِّرة التي تحترم سيادتها، تعتبر قانونيًا أنّ القوات الشرعية المُسلّحة هي لخدمة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، ومهمتها تنحصر في أن تُدافع وحدها عن أمن وسلامة البلاد وصون الدستور والقوانين والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد. والدولة وحدها هي التي تُنشىء هذه القوات الشرعية، ويُحظّر على أي فرد أو هيئة أو حزب أو مجموعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية. إنّ القوات الشرعية الرسمية هي الحامية والضامنة للدولة وللديمقراطية. لم يَعُد بإمكانكم تبرير وجود سلاح غير شرعي على الأراضي اللبنانية، ثَبُتَ للعلن دوره في خراب الوطن…

بما أنّ القوات الشرعية الرسمية هي حامية الوطن، حذار المّسْ بحقوقهم، وحذار تشريع أي قانون يسمح بالإنقضاض على حقوقهم التي اكتسبوها في الماضي والحاضر، ولا تنسوا أنهم المدافعون الأوائل عن الوطن وعنكم. إننا سنسعى كباحثين إلى تشريع قوانين تحفظ للعسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين حقوقهم، وسيتم رفعها إلى الجهات المختصة لدرسها وإقرارها، وحذار إهمال هذه القوانين التي هي الضمانة الأولى للقوى المُسلّحة.


(*) كاتب وباحث سياسي
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.