"خيانة" النُخبة!

طارق المبيض (*)

في الحديث عن الانتخابات النيابية الفرعية الأخيرة في طرابلس، وبعيداً عن التحليلات التي تُساق للكُتل الناخبة وقدرتها التجييرية وحجم المُقاطعة، نحنُ ـ على أية حال ـ أمام حقيقة واضحة كالشمس في منتصف النهار، وهي أنّ المُرشّحة الدكتورة ديما جمالي التي نالت أكبر قدر من الاستهزاء والسخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد حازت على أعلى نسبة تصويت، واستطاعت أن تحصد نحو 20 ألف صوت من ناخبي طرابلس، وهذا ما يدفعنا الى طرح عدد من الأسئلة: من يُنتِجُ السُلطة في لبنان؟ وهل هذه النُخب التي تُسجل اعتراضها قادرة على مواجهة تِرسانة التيارات السياسية؟ وأيُّ أملٍ بالتغيير بينما أضعف مرشحة، في أسوأ ظروف شعبية تمر بها الأحزاب التي دعمتها، استطاعت النجاح بنحو 60% من مُجمل الأصوات التي اقترعت؟

لا بُدّ من التسليم بداية بأنّ هناك نسبة مئوية معينة هي التي تُشارك بالانتخابات البرلمانية وتصنع السلطة في لبنان، وهذه النسبة هي بحدود الـ 50% تمثل بغالبيتها المستفيدين مباشرة من الأحزاب والتيارات السياسية والمنتمين عضوياً لها، اضافة الى مناصري "البيوت السياسية"، فيما النسبة المتبقية التي تشارك في الانتخابات وتتراوح بين 15 الى 20% تُمثل الصوت المُشترى بالمال الانتخابي، إضافة الى المتأثّرين بفعل المعارك الإعلامية بين الأحزاب المُختلفة، وهذا يعني أن أكثر من نصف اللبنانيين يعكف عن المشاركة بالانتخابات النيابية لأسباب عدة أهمها عدم الاقتناع بأنّ أي انتخابات قادرة على تغيير الوضع القائم. ومن خلال عينة عشوائيّة لنقاش أجريته قبل كتابة هذا المقال، تبيّن أن معظم المحجمين عن الدخول الى صناديق الاقتراع هم النخبة الاجتماعية المتمثلة بالمثقفين وأصحاب المهن الحُرّة الذين يعتبرون أن النظام السياسي ـ الطائفي اللبناني برمته لا يمثلهم، ولا يمكن أن يكونوا جُزءاً ممن يعطونه مشروعيته.

هذا الطّرح، على صوابيته، لا يمكن القبول به، فأي أمل بالتغيير إذا عكفت هذه النخبة عن المشاركة بقرارها واختيار المرشح والرؤية الصائبة أو الأقرب الى الصواب، والأكثر تمثيلاً لطموحات تلك النخبة، أو على الأقل القادرة على كسر الجمود الحاصل في الحياة السياسية اللبنانية، وفك شيفرة المنظومة السياسية الحاكمة التي تختلف قبل المعارك الانتخابية فتُكسِّرُ البلد، وتتّفق بعد تلك الانتخابات على المغانم فتتقاسمها قطعة قطعة؟!

هذه النُخب التي تملك رؤىً متشتتة ومختلفة نحو النظام والمجتمع، وتدخل في ما بينها بصراعات فلسفيّة غير واقعيّة لا تؤدي بطبيعة الحال الى أي مكان في هذه الحياة السياسية اللبنانية التي تتحرك على صفيح ساخن، ويلزم من يعمل بها أن يكون مرِناً في القفز من صفيح مُتحرك ساخن لآخر، وأن يكون براغماتياً نوعاً ما في مقاربته للأمور… يتطلب من هذه النُخب المتنوعة في انتمائها الفكري أن تتوحد لكسر النمطية في الحياة السياسية اللبنانية، وبوجه إعادة انتاج السلطة نفسها، وبالتالي إعادة انتاج الإشكالية ذاتها التي تتعلق بعلاقة السلطة بالتنمية المتوازنة، وتسخير المؤسسات الدينية لغايات سياسية، والتحكم بمفاصل الدولة، وسيادة منطق المحسوبيات، وإضعاف ما تبقى من هياكل في الدولة وغيرها. قد يطرح أحدهم سؤالاً مُحقاً: كيف للنخبوي ذي التوجه الإسلامي أن يلتقي مع العلماني، وبالعكس؟ أو كيف لليساري المؤدلج بالفكر الإشتراكي أن يلتقي مع ليبرالي الطرح؟ فنقول، إنّ هؤلاء جميعاً ملزمون، إذا ما أرادوا الخلاص من التركيبة السرطانية للحكم في لبنان، أن يلتقوا لأنهم ضحية النظام نفسه، النظام الذي يمارس الزبائنية تجاه العلماني والإسلامي والإشتراكي والليبرالي، ويتحكم بوظيفته ولقمة عيشه، وأمنه ومستقبله؟!

يقول إدوارد سعيد في كتابه "خيانة المثقفين"، إنّ المثقف هو ذاك الشخص الذي يُقدِّم مصلحة المجتمع على مصالحه الخاصة. المثقف الحقيقي هو الذي يجازف بخطر الحرق أو النبذ أو الصلب، يجب أن يكونوا مدققين وذوي شخصيات قوية، وفي حالة تضاد مع الواقع القائم. هو شخص فظ، بليغ، شجاع على نحو خيالي لا توجه بالنسبة له سلطة كبيرة ومهيبة لا يمكن أن تنتقد أو توبخ بحدّة".

هذه النخبة المُثقفة، إن وُجِدت وتمّ تأمين الخطاب الجامع لها الذي تلتف حوله، سيجعلها أمام خيارين حيال المنظومة السياسية اللبنانية وأدواتها التي تمثّل "الدولة العميقة":

الخيار الأول هو المجازفة وخوض المعارك السياسية والمطلبية والانتخابية ضدها، والوصول الى السلطتين التشريعية ومن ثم التنفيذية وخلق نوع من الرقابة على العمل الحكومي. هذا الخيار قد يكون صعباً للغاية في ظل القوانين الانتخابية التي تُصاغ للحفاظ على حالة هذه المنظومة السياسية وسيطرتها على مفاصل الدولة والسلطتين التشريعية والتنفيذية.

وأما الخيار الثاني فهو خلق شراكة معينة مع هذه السلطة، عبر صوغ تحالفات مع بعض أطرافها واستغلال التباين بين تلك الأحزاب السلطوية في ظروف سياسية معينة، للوصول إلى المجلس النيابي. وهذا الأمر أيضاً من الصعوبة بمكان بفعل رفض هذه الأحزاب لأي تحالفات خارج إطار "الوضع القائم" (الستاتيكو) لأن ذلك سيضر بمصالحها على المدى البعيد.

قد يكون هذا الطرح فيه شيء من المثالية، خصوصاً وأنّ القوى المدنية والاصوات المعترضة على النظام السياسي، لم تتوصل الى بلورة رؤية موحدة لكسر الطوق حول المنظومة الحاكمة، ولا زالت تختلف فكرياً ومصلحياً. لكنّ اتجاه البلد بسبب سياسات المنظومة الحاكمة نحو الإنهيار، قد يُساهم في زيادة احتمال "الثورة" على الوضع القائم، ومحاولة فتح كوة في الجدار الذي بنته الأحزاب على مدى العقود الماضية.


(*) باحث

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.