المسيحيّة واليهوديّة

المحامي الياس عقل خليل /

لقد تبيّن، أنّه لا مفرّ من العودة إلى البدايات، لكي نضمن حسن التبصر النافذ في معطيات الوقائع المتلاحقة، منذ المكاشفة الأولى مع الوقائع، أن الغرب، في نهايات القرن العشرين، تعتريه جميع أعراض الداء المميت، وأنّه، في ضياعه العقلاني، يتوقّع بالحس الغريزي خطرًا كبيرًا، ولكنه عاجز بالوعي، عن إدراك الحقيقة، أو عن التيقّن باقتراب الحل.

وقد ظهر أن الكنيسة الفاتيكانيّة، في الغرب الأوروبي، واقفة في أزمة كيانيّة تاريخيّة، وأنّها مغلوبة على أمرها، لأنها ترفض النقد الذاتي، والإعتراف بالخطأ وفتح الأذهان على الحقائق والمسؤوليات المخبأة. ولأنها ما تزال تخشى الإعلان عن خصمها الحقيقي، وتمنع عن ذاتها العامّة حق التكهّن به ومواجهته. ولأنها، أيضًا، سجينة ماضيها السياسي والحضاري والإجتماعي، وهو غير مقنع، وسجينة قياداتها الدينيّة والزمنيّة، المتخاصمة والمتخاذلة، وهي غير مشرّفة.

لقد أصيب الغرب المسيحي، منذ سقوط النازية، وهي الردة المسيحيّة الكبرى في أوروبا المقاومة لتعاظم اليهودانيّة، بأهم التحوّلات التي شهدتها، الحضارات الغربيّة على مرّ الزمان الأخير لأنه مهما قالوا في الكتب الأورقة، أو تناقلوا بسذاجة المروجين، أو استشهدوا بدول غبية وأنظمة مُسيّرة، فان الحرب العالميّة الثانية، وهي محور التحوّلات المعاصرة، كانت في عمق حقيقتها حربًا سرّية، غير معلنة حتّى اليوم، بين الكاثوليكيّة واليهودانيّة بين القوميّة الغربية والسامية المشرقية الجذور.

وليس هناك أدنى شكّ في أن الرابح الأكبر والحقيقي لهذه الحرب، وهو الذي لم يظهر أبدًا في فوتوغرافيّة الغنيمة في يالطا، إنّما هو اليهودانيّة الكونيّة بالذات، أو في مرحلة أولى فقط، أحد فروعها المتمثّل بالصهيونيّة المحدثة.

أقول ذلك تأكيدًا، ومنها إلى ضرورة إلغاء بعض القناعات السطحيّة. فهي تشوّه الحقائق التاريخيّة الأساسيّة باسم "الضميريّات" الخلقيّة المتعاطفة، والتي تبالغ في التركيز على موجة اللاسامية المأسوية، وفي إظهارها كدليل مؤكّد على اليهوديّة المعذبة، أو على اليهودية الضحية.

واليهودانيّة الكونيّة حضور فاعل تسلطي خلّاق، ولكنّه غير منظور.

واليهودانية الكونيّة موجودة، بفاعلتها المتخفّية البارعة، في جميع دول العالم المتقاتل والمتصالح وفي جميع مراكزه القياديّة. وفي جميع أسواقه وفي جميع اعلامه.

إنّها موجودة وضاغطة في كلّ فريق. مسيطرة، هكذا، على تطوّرات النزاع أينما وقع. موظفة حرب العالمين لمصلحتها الثأريّة البعيدة. وللحلم الأعظم.

لقد أظهرت هذه القناعة الأساسيّة الأولى اكتشافاً آخر، ولعلّه الأهم، وهو ميكانيكيّة النفوذ اليهوداني بصنفيه: الصهيوني والكوني. وغطاءاته المتعددة، وأيضًا فاعليته المقنّعة والظاهرة، الموزّعة على المراكز التقريرية في مختلف عواصم الغرب القومية منها، وهي المسيحية الكاثوليكيّة، واللاقوميّة منها، وهي البروتستانتيّة الفاترة، والإشتراكية الالحادية، والأميركانيّة الشعوبية. وفي هذه المجموعة اللاقوميّة المحرّرة من المناعات الكاثوليكيّة يمتد المجال الأوسع والأعمق للفعل اليهودي السامي، مما تمّت المعرفة، إلى الفعاليّات اليهوديّة في عواصم العالم الآخر، حيث يتراكم الساقطون، أو المتأخرون، في سباق الحضارة المعاصرة. وأيضًا في مجالات التفوّق في الفكر السياسي والديني والإجتماعي، وفي الثقافة والاقتصاد، في العلوم والفنون والعصرنة والتكوين، ومن بعدها الطاقة الكبرى التي ينعم بها اليهوديّون في العالم، وهي قطعًا، في أساس تفوّقهم على المجتمعات المربوطة بالخلقيّات السماويّة، أو المتخاصمة حول مبادئها الأرضيّة، لأنها طاقة اللا مسؤولية الخلقية. الطاقة التي خدرت ضميرها الكونيّ شريعة موسى الحصرية، أطلقت لها العنان على حقوق الآخرين، أي الطاقة اللامحدودة. هذه الأخيرة هي وليدة عدم ارتباط اليهوديين بالحقيقة الصارمة التي طلعت بها، في عقر ديارهم، ثورة يسوع، حين اعتبر الناصري أن الانسان على الأرض هو أكثر من الإنسان اليهودي، وأن لا حقّ لشعب على آخر. وأن الله آب، والآب لا يختار ولا يعفي من المساواة أحدًا. وان الوصايا السماوية تعني اليهودي وغير اليهودي، وانما مطلقة وليست وفقًا على قوم دون غيره، وانما بالحب تُعَلِم، وليس بالقسر أو بالتخويف… أو بالإفادة، لأن الله حبيب ونبع المحبة وليس رعبًا.

أخرج يسوع الخلفية الإنسانيّة من الحصرية الموسوية التي توظفها باسم الشريعة السماويّة، لمصلحة اليهودي وحده، ولحمايته، ولتفضيله على الآخرين. والّتي تجعل من هذه الخلقية امتيازاً عنصرياً لشعبٍ خاص، وعلى حساب الشّعوب الباقية، كلّها، وإلى الأبد.

أنقذ المسيح الخلقيّة الكونيّة المطلقة من الحصريّة اليهوديّة، وشرّعها، باسم الأبوّة الواحدة وباسم المحبّة الواحدة، على الإنسان وعلى كل الأرض.

ولكن الكنيسة الرومانيّة، في واقعها الأوروبي المخالف للواقع المشرقي، أوضاع انسانها المختلف ايضًا، راحت تعرّض هذه الخلقيّة، خلقيّة يسوع، اليسوعيّة، وهي عماد المسيحية الحق، لصدمات عميقة ولهجمات عنيفة، على الأرض وفي الضمائر فقد كانت تناقض الخلقيّة الأصيلة كلّما تطلّبت منها الحاجات الزمنيّة ذلك. فتكاثرت الحاجات والتناقضات، وتحوّلت إلى الكلمة إلى عكسها.

وبعد أجيال من المسؤولية المباشرة في قمع الحريّة، واضطهاد الفكر، ومعاداة الفقر، ومحالفة الظلم، ومحاربة المساواة ومقاومة المعرفة، أسفر التصرف البابوي عن واقع جديد في المجتمع الكاثوليكيّ، فراح يسوده التشكيك المشروع، ويميّزه تراجع الإيمان، وتباعد الأبناء، وهجرة العقول والمواهب والطاقات. وراحت تسقط فيه المناعة الرومانيّة، مقدّمة لسقوط الوحدويّة المسيحيّة، وان تاريخ المسيحيّة الأوروبيّة مليء بالأدلّة والوقائع.

ولكن المسيح قد أدرك هذا من قبل بقوله، لا تخافوا من شيء "أنا غلبت العالم" بالمحبة، التي هي نبع بذور النهضة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعيّة والنهضة الكونيّة التي بالرغم من مقاومتها من قبل المنظمات الإرهابيّة ومن يختفي بين طيّاتها ستنتصر وينتصر معها الإنسان الذي هو على صورة ومثال خالقه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.