أمن واقتصاد.. وتكاذب سياسي!

بسّام ضو (*)

يولي العلم الاجتماعي الأهمية القصوى لمعالجة أمور الناس باعتبارها إحدى المهمّات التي من الواجب تداركها من خلال إيجاد نُظُم سياسية ـ اجتماعية ـ اقتصادية ـ زراعية ـ صناعية، وما يتبعها، تُريح المواطن على كافة الصعد. والمعالجة تلحظ تشريع أنظمة قانونية متخصصة ومعاصرة من شأنها إراحة المواطنين أينما وُجدوا لكي يُنتجوا ويُنمّوا أوضاعهم، سواء كانوا في الأرياف أو في المدن. كما يعتبر العلم الاجتماعي أنّ المصداقية السياسية تحتاج الى التحلّي بروح التضحية، وهذا يتطلب أن يشعر كل لبناني في ذاته بأنه حُر ومتحرِّر من أي تطرّف فكري هدّام.

للأسف، إنّ الكذب السياسي، والدجل، وتضليل الرأي العام، هم سمة هذه المرحلة. والكذب السياسي في لبنان هو أحد الوسائل التي تقود خُطى بعض السياسيين، فلا نرى سياسيين يصدقون مع الناس. والمؤسف أن الأكاذيب متصلة ومتتالية، فالصدق السياسي أصبح عملة نادرة في لبنان. لا أحد من اللاعبين السياسيين على المسرح السياسي اللبناني يصدُق أو يسمح لكَ بتصويب ما يقوله، بل يبقى دائمًا السبّاق في نعت كل معارض بأنه "يسعى إلى تحقيق مكسب سياسي لشخصه أو لمرجع ما"…

طفح الكيل. لقد أضحت حالة التعاطي بين السياسة والأخلاق على قاعدة التنافر والتباعد، الى الحد الذي أخذ الكذب السياسي في لبنان موقعه وموضعه في الحياة السياسية اللبنانية، وحتى هيمنته على الفِعل السياسي إلى درجة التكيُّف، ومعه أصبح السياسي المسموع "غصبًا عن إرادة الناس"، هو من يُتقِن فنّ الكذب بمختلف أشكاله ومندرجاته، حتى أصبح سوق السياسيين عندنا "سوق نخاسة وكذب". والأنكى انّ التنافس السياسي اللبناني يقوم على أساس مَن يُسوّق فكرة كاذبة مِن الذي تنتجه منظومته السياسية.

أحد الباحثين السياسيين، وفي معرض مناقشتنا للأوضاع العامة في البلاد وما آلت إليه كل الأوضاع السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية… وصّف حالة السياسيين اللبنانيين بما يلي "إنّ الكذب السياسي عندنا هو أخطر أنواع الكذب، لأنه يُضلِّل الشعب بأكمله ولا يقتصر على أفراد أو جماعات معينة، فكيده عظيم. والأخطر من ذلك أن يستمر السياسيون الكذّابون في كذبتهم، ويجدون تبريرًا لها. وقد صدق الوزير النازي جوزيف غوبليز عندما اعتمد وسيلة الكذب للدعاية السياسية، حيث أشار بما معناه "إكذب إكذب حتى يصدقك الآخرون، ثم إكذب أكثر حتى تصدق نفسك"، وهذا استدلال على حيِّز كبير من التعاطي في الحياة السياسية اللبنانية، والامثلة كثيرة في العديد من الملفات ومنها على سبيل المثال: الكهرباء ـ الاقتصاد ـ الأمن ـ الانتخابات…

أقول للرأي العام الذي يتوق إلى حياة كريمة ركيزتها: الأمن ـ السياسة السليمة العلمية ـ الاقتصاد المنتج، إعلموا أنّ السياسي الذي يمتهن فن الكذب، ومهما كانت انتماؤه، هو من يملك الجاذبية والقدرة على إقناعكم، لسببٍ بسيط وهو أنه يبيعكم الوهم، وهو الترياق لتضميد جراحكم وحاجاتكم، وإن بشكل مؤقت. إنه منطق يشتغل في قاعدة الكذب بالجملة، وعليكم اكتشاف كذبه وريائه… فمنذ سنوات ونحن نشهد همرجة التداول على الكذب في شتّى المواضيع، وخصوصًا منها الحياتية كالطرقات ـ الكهرباء ـ الطبابة ـ التعليم. ومنذ اقرار الطائف وُعْدنا بالمن والسلوى. يمتهنون فن الكذب علينا، وكم من مرّة وعدنا باقتصاد زاهر يُعيد الوضع اللبناني إلى مكانته الطبيعية بين الأمم؟ سياسيون اعتلوا المنصّات ليكذبوا علينا أكثر فأكثر دون حياء وحشمة، فهناك من كانت له الطريق معبّدة لممارسة فن الكذب علينا مع سابق تصوّر وتصميم دون أن يلقى الحساب والعقاب… على ما لحظت منذ أن تابعتُ العمل النضالي في الحياة السياسية اللبنانية المطعمّة بالديمقراطية المزّيفة، يطل علينا سياسي من هذا الطرف أو ذاك ليقنعنا أنّ كل شيء ممكن في السياسة ولا مكان للأخلاق والطهر الفكري، حيث يتسلّح بكل فنون الكذب والتعمية والتضليل والخداع ليطرق باب السيطرة على الرأي العام. والمؤسف أنّ كل سياسي عندنا، سواء كان متخصصًا في السياسة أو التشريع، وهم أضحوا قِلّة على ما حصدته نتيجة الانتخابات النيابية الأخيرة، حيث لاحظنا العديد من الرأسماليين دخلوا الندوة النيابية وهم أصحاب شركات كبيرة وقصور فخمة، ونحن عبيد ومنكوبون، أطفالنا يُطردون من المدارس بسبب عدم تسديد الاقساط، شبابنا يهاجرون بسبب اقفال المؤسسات، الهجرة فاقت كل توّقع… وهؤلاء السياسيّون لا يُبالون بواقعنا المزري، والكذب عندهم على "عينك يا تاجر".

دُعينا الى ندوة عن الوضع العام في لبنان، وتحديدًا الوضعين الامني والاقتصادي، وكان لي شرف المشاركة في الندوة كباحث سياسي، فلخّصت الأزمتين على الشكل التالي:

الأزمات بكافة أنواعها هي ظواهر انسانية وجزء من نسيج الحياة اللبنانية منذ نشأة دولة لبنان الكبير، وقد ازدادت الأزمات في لبنان خطورة في عصرنا الحالي. من هنا وجدنا أنّ الازمات التي تتالت أدت الى مواقف مضطربة ومتوترة نتج عنها إحساس بخطر يُهدِّد الكيان اللبناني، وهذا الخطر يتطّلب مجهودًا كبيرًا لحلحلته في ظل توفر رؤية مستقبلية ومعمّقة وموضوعية وعلمية تحُدّ من خطورة هذه الأزمات.

وعلى الصعيد الامني: انّ التخطيط الامني السليم هو من سمات الدول المتحضرة، ومتى كان هذا التخطيط مهنيًا يكون من واجب أولي بالنسبة للأجهزة التي تضطلع بمهام قومية وتفرض عليها ظروفها وطبيعة عملها، وضع خطط تكفل لها النهوض بمسؤولياتها ومواجهة مخاطرها وتحدياتها. وبعد مناقشات مستفيضة مع متخصصين كضباط في القوى اللبنانية الشرعية وملحقين عسكريين، اعتبرت أولاً، أنّ الامن حاجة ماسّة من حاجاتنا الوطنية، وهو يحتل المرتبة الاولى في الدول المتحضرة التي تحافظ على سيادتها التامة والناجزة. وثانيًا، أن مفهوم الأمن يتفاوت مضمونه من مجتمع لآخر، بل يتفاوت في المجتمع الواحد. ويعود مرد هذا التفاوت الى الايديولوجيات السائدة في مجتمعنا. والامن يحتاج إلى خطة عمل، والى نظرية تقوم عليها سياسته، ثم إلى بحوث مستمرة لتطوير هذه النظرية حتى تساير المجتمع واحتياجاته في الأمن والاستقرار. وفي الخلاصة الملخّصة، ان مقومات الاستراتيجية الامنية تحتاج إلى ركائز أساسية وهي: بشرية، مادية، تنظيمية، وتشريعية.

على الصعيد الاقتصادي: إننا نشعر بوطأة التباطؤ الاقتصادي، حيث نلاحظ أنّ معدّل العجز في الموازنة العامة بلغ أكثر من 8.5% من الناتج المحلي الاجمالي المقدر بأكثر من 80 مليار دولار. أما بالنسبة للدين العام الى الناتج المحلي فقد تجاوز 165%. أما بالنسبة للبطالة، فقد بلغت حوالي 35%، إضافة الى وجود مليون عامل غير لبناني، ولا تزال الزراعة في لبنان تشكل أقل من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، والصناعة في حدود الـ 20%… انّ الاقتصاد اللبناني يعتمد على ثلاث ركائز أساسية وهي: السياحة ـ العقارات (البناء) ـ القطاع المالي، ويواجه وضعًا صعبًا وتحديات مقلقة… إنّ تعزيز النمّو الاقتصادي يكمن في عدّة اجراءات تشريعية وفنية وإدارية، وبالتالي استنتجت انه لا بُدّ من رفع درجة التركيز على البحث في كيفية تعزيز النمّو الاقتصادي من خلال وضع آلية فاعلة تضمن العديد من الدراسات والاستفادة من الخبرات المتراكمة لديها، وهناك العديد من مراكز الابحاث والجامعات التي تعمل على إعداد دراسات اقتصادية يجب ان نحفّز التعامل معها، وكل نجاح في أي مجال يبدأ من خلال أفكار إبداعية وأبحاث ودراسات علمية.

باختصار، لتحقيق مقومات دولة معاصرة تعتمد على العلم والمعرفة، علينا أن نوقف الكذب والرياء، فمن دون الصدق تصبح الحياة السياسية ناقصة لا معنى لها، كالحاضر القائم اليوم. والصدق بات مطلبًا مُلحًا لإعادة الوطن الى الخريطة، وعلينا أن نبدأ بوضع سياسة استراتيجية أمنية تُحافظ على السيادة من دون مواربة، تطبيقًا لقانون الدفاع الوطني الذي يُجيز في مادتيه الاولى والثانية حق الدفاع عن الوطن بواسطة قواه الشرعية. ومن ثمّ الانتقال الى وضع سياسة اقتصادية فاعلة…


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.