الإنتداب الجديد!

المحامي الياس عقل خليل /

إن الأزمة المزمنة التي يسميها عالم اليوم "أزمة الشّرق الاوسط"، بعيدة الجذور في التّاريخ، ولها مبرّرات عميقة تختلف كثيراً عن ظواهر أحداثها المتلاحقة، وعن ظواهر العلاقات الدولية في تعاملها مع هذه الأحداث. بل إن هذه الأزمة، في الواقع، تُناقض، في وقائعها الحقيقيّة، المفاهيم والشّروحات والتّصورات التي ولدها، في أذهان العالم، إعلام موجّه وذكي ومتحيّز.

وبالفعل، فقد تولّى هذه المهمّة الاعلام العالمي المنسّق، وهو مثلما صرنا نعلم، يشمل مختلف وسائل نشر الأفكار والمعلومات والنّظريات وكذلك وسائل غسل الأدمغة وتحوير الوقائع. وهو، مثلما صرنا نعلم أيضاً، يسيّره، في شموليّته، باتجاه موحد، عقل جماعيّ متفوّق ومنظّم هو حصيلة "الأبوات"، اليهوديّة المنتشرة في هذا العالم الغربي، والفاعلة في أعماقه.

تولّى هذا الاعلام بالذّات، إذن، نشر حقيقة معيّنة عن أزمة الشّرق الاوسط، محورها "العودة الى أرض الميعاد"، وقطع بين تطوراتها المعاصرة وتاريخها المعتّم. فنشأ سوء فهم وتفاهم عالميّان حول الأسباب الفعلية لتفجرات هذه الأزمة، واختلطت، دون إمكان أي وفاق، أوراق المصالح الدّولية المتعدّدة في هذه المنطقة الّتي تحتوي أهم الثّروات الارضيّة والمصرفيّة والتّاريخيّة في عالم اليوم.

وقد أوجد لبنان نفسه في قلب العاصفة الشّرق أوسطيّة منذ ولادتها حتى اليوم، وقد تبدّل الممثّلون فيها ولكن القصّة ذاتها والأدوار عينها.

اليوم لبنان في عين العاصفة الّتي تضرب المنطقة وهو محورها في الوقت ذاته، يتصارع جميع دول المنطقة والطّوائف والمذاهب، زيادة على الصّراع الدّولي طمعاً بخيرات لبنان وبلاد المشرق العربي، الامتداد الإيراني الشّعوبي وخلافه مع القوميّة العربيّة بكل المفاهيم الّتي تمددّ صراعات المنطقة بصور مختلفة. فلبنان منذ العام 1992 حتّى اليوم قد وقع تحت الإنتداب السّوري المستتر، الّذي كان يساهم بإيجاد حلول للمنطقة بالإمساك بالورقة اللّبنانيّة، لأنّ وجود رجال دولة متغيّبون منذ ذلك الوقت لم يكن ظاهراً، ولكنّهم كانوا جميعهم أدوات لتسيير أمور الإنتداب، ومن خلاله، أمورهم الذاتيّة، ممّا أدّى إلى وقوع بلاد الأرز لقمة سائغة في أفواه الإنهيار السّياسي والوطني والاقتصادي، ممّا أوصل البلاد مع بداية الألفية الثّالثة إلى تخبطه بانهيار كامل وشامل كما نرى اليوم.

لبنان، أجل هو في عين العاصفة، سياسيوه بمعظمهم لا عمل لهم سوى سرقة المال العام، وعدم الاكتراث بالأزمات الوطنيّة، وعدم إدراكهم بحقيقة "العلوم السّياسيّة" الّتي هي وجدت لصالح الشّعوب، وللسير بها إلى مفهوم الإرتقاء إلى التّقدم والنّزاهة، والعمل على الاهتمام بأهل الوطن المتعبين من طمعهم وفسادهم.

هؤلاء، إستعانوا بكافة الوسائل لتدمير البنية الوطنيّة، لا عدل، لا اقتصاد، لا أمن، لا سياسة حقيقية تؤدّي إلى رفع الشّعب الّبنانيّ ليصل إلى "المجتمع الحلم" الّذي من خلاله يستطيع تنفيذ مبادىء الدّيمقراطيّة الحقيقية بكل مظاهرها، لتتعاضد جميع الطوائف والمذاهب الّتي تؤلّف مجتمع بلاد الأرز برابط الحريّة والمساواة والأخاء.

لبنان، وبسبب كل ذلك، وبما أنّه بوابة المشرق العربي وصلة الوصل مع بلاد الغرب لوقوعه الجغرافيّ على شاطىء البحر المتوسّط، وبسبب النّكسات الّتياً وماليّاً. هذا ما حصل بآخر إجتماع دولي أوروبي إقليمي لنجدة لبنان، فلم يجد المجتمع الدّولي سوى وضع لبنان بصورة غير علنيّة، تحت سقف الإنتداب لكي يبقى ساحة خالية من الاضطرابات الّتي تضرب المنطقة، ويكون بالتّالي نموذجاً للحلّ لمشاكل الشّرق الأوسط بعد أن ترسم له اتّفاقيات إنتداب جديدة مبطّنة تضمن للمجتمع الأوروبي والدّولي سلاماً جديداً، وقيام ـ ربّما ـ دول جديدة حسب مرتكزات مصالحه المنظورة وغير المنظورة.

هذا هو الشّرق الأوسط الجديد، وبين طياته لبنان الجديد، الّذي ما يزال يتخبّط في التّخلّف والألم لفرط جهله حقيقة أزمته الحاضرة، وهي أهمّ أزمات العالم المعاصر، ولشدّة عجزه عن الخروج من فخّ الإنتداب الجديد، من القوميّة العربيّة.

هذا هو الشّرق الأوسط الّذي ينقاد اليوم، دون إدراك، وبالثّمن الغالي، صوب المستقبل الّذي يعدّه له "الشّقيق" السّامي المتخفّي في طموحات اليهوديّة الكونيّة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.