"العرب الدروز في إسرائيل"

يقدر عدد الدروز في الكيان الإسرائيلي بنحو 100 ألف نسمة، يعيشون ضمن تجمعات مشتركة بجانب بعظهم البعض، وتعدّ منطقة شمال فلسطين، تحديداً في الجولان والجليل الأعلى وجبل الكرمل، منطقة الثقل السكاني الأكبر لهذه الطائفة.

ومرت تجربة الدروز في فلسطين المحتلة بعد الاحتلال الإسرائيلي لها، في العام 1948، بكثير من التعقيد والتقلب في آن واحد، حيث تبنوا في مرات كثيرة مواقف رافضة لسياسات دولة الاحتلال، ومن مثال ذلك رفضهم الخضوع لسياسية التجنيد الإجباري في الجيش، إلا أن دولة الاحتلال قامت بالضغط عليهم من خلال سلب الأراضي التي يمتلكونها، التي كانت بمثابة مصدر رزقهم الوحيد، إلى أن نجحت في إصدار قانون التجنيد الإجباري لهم في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

لم تصدر دراسات واقعية لظروف وواقع الدروز في الكيان الاسرائيلي، إلا أنه صدر مؤخراً كتاب جديد تحت عنوان "العرب الدروز في إسرائيل – مقارَبات وقراءات نظريّة وسياسيّة ناقدة"، عن المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة "مدى الكرمل".

وتناول الكتاب بإسهاب الهوية الثقافية والدينية للطائفة الدرزية في إسرائيل، كما سلط الضوء على المحاولات الإسرائيلية المتكررة لزرع بذور الخلاف بين الدروز والمسلمين، لحرف البوصلة عن القضية الأساسية وهي احتلال الأرض، كما فند الكتاب المزاعم الإسرائيلية بأن اليهود هم الدولة التي لا يظلم فيها أحد.

ويشمل الكتاب مجموعة مقالات أكاديميّة لباحثات وباحثين عرب فلسطينيين حول مجموعة من القضايا السياسيّة والاجتماعيّة المتعلقة بالعرب الدروز في إسرائيل، وهو من تحرير الدكتور يسري خيزران المحاضر في قسم التاريخ في الجامعة المفتوحة.

ويشير المحرر في المقدمة إلى أنّ هذا الكتاب يكتسب أهميّة خاصة، فللمرة الأولى تقوم مؤسّسة بحثيّة أكاديميّة عربيّة في الداخل بطَرْق الموضوع الذي لطالما ظلّ حكرًا على المؤسّسات الأكاديميّة والسياسيّة الإسرائيليّة، وبقي أسيرًا للعقليّة السائدة والرائجة في مؤسّسات إنتاج المعرفة وصياغة السياسات في إسرائيل حتى سنوات طويلة. كما أن أهميّة هذا الكتاب تكمن في أنّه يجسّد محاولة حقيقيّة لإحداث تغيير مفاهيميّ جذريّ في المنطلقات وفي الخطاب النقديّ العربيّ.

وفي بيان صدر عنه، اعتبر "مدى الكرمل" أن "الكتاب هو محاولة لإعادة استقراء واقع الدروز داخل إسرائيل من منظور معرفيّ ونظريّ جديد يقوم على دحض الرؤية المؤسّساتيّة ورفض منظومة المعرفة الرسميّة، ويسعى بصورة موضوعيّة إلى تحليل السياسة الرسميّة للدولة".

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب. الباب الأوّل، بعنوان "مقاربات نظريّة للحالة الدرزيّة في إسرائيل" يحتوي على دراسة  للبروفسور أمل جمّال تحت عنوان "عقليّة البقاء والقطيعة الأخلاقيّة في سلوكيّات المجموعات الصغيرة – الدروز في إسرائيل مثالاً"؛ تُعنى هذه الدراسة بفهم كيفيّة ودوافع تصنيع القطيعة الأخلاقيّة (Moral Disengagement) في وعي الشباب الدروز كإستراتيجيّة لتدارك المأزق الأخلاقيّ (Moral Dissonance) الذي بدأ يطفو في المجتمع الدرزيّ بعد تعاون بعض قيادات الطائفة الدرزيّة مع المؤسّسة الإسرائيليّة لفرض الخدمة العسكريّة في الجيش الإسرائيليّ.

وفي الفصل الثاني من هذا الباب، تتناول الباحثة غادة السمّان، سلوكيّات الدولة كحالة استعماريّة عملت على توظيف وتسييس كينونة العزلة في الحالة الدرزيّة. تتعمّق هذه الدراسة في فلسفة الاستعمار والسياق الاستعماريّ في فلسطين، والكيفيّة التي جرى بها في هذا السياق التعامل مع الطائفة الدرزيّة في إسرائيل، مستندة إلى تعريف إسرائيل بأنّها دولة استعماريّة استيطانيّة.

الباب الثاني من الكتاب بعنوان "«حلف الدم»! السياسات الإسرائيليّة تجاه المجتمع العربيّ الدرزيّ في إسرائيل"؛ يحتوي على فصلين، الأول لمحمد خلايلة ود. يسري خيزران تحت عنوان "مصادرة الأرض وضائقة السكن عند العرب الدروز في إسرائيل"، حيث يرافق الفصل ادعاء مركزي مفاده أنّ نظام الأراضي في إسرائيل يناقض المبادئ الديمقراطيّة الأساسيّة، وهي المساواة والحقّ في التملّك، لأنّه يقوم على أساس مصادرة أكبر عدد من الأراضي التي هي بحيازة غير يهوديّة ونقلها إلى ملْكيّة الدولة ومجموعة الأغلبيّة المسيطرة. أما الفصل الثاني فكتبه محمد خلايلة، تحت عنوان "سياسة التمييز ضدّ السلطات المحلّيّة العربيّة: حالة السلطات المحلّيّة الدرزيّة"، وهو استمرار لسابقه من حيث كشف معالم التمييز الذي تنتهجه دولة إسرائيل تجاه العرب الدروز في الحيّز المدنيّ.

أما الباب الثالث، وهو تحت عنوان "سؤال الهُويّة وتحدّياتها في المجتمع العربيّ الدرزيّ في إسرائيل"، فيحتوي على ثلاثة مقالات. المقال الأول، لد. يسري خيزران، تحت عنوان "«تدريز» جهاز التعليم الرسميّ في القرى العربيّة – الدرزيّة". يدّعي الكاتب أنّه جرَت محاولة خلق وعي درزيّ- إسرائيليّ- انطوائيّ من خلال ثلاثة مساقات رئيسيّة: التراث الدرزيّ؛ التاريخ الدرزيّ؛ والنصوص الأدبيّة المدرَّسة في موضوع اللغة العربيّة. ويعالج المقال الثاني، الذي كتبه د. عبد الرحمن الزعبي، موضوع "القواسم المشترَكة للمذهب الدرزيّ والإسلام الصوفيّ"؛ يطرح الكاتب قراءة مقارِنة بين مذهب التوحيد الدرزيّ والطريقة الخلوتيّة، مُظهِرًا نقاط التقاطع بين الظاهرتين ومُفنِّدًا نقض الجذور الفكريّة والتاريخيّة الإسلاميّة لمذهب التوحيد. ويُختتَم الباب الثالث بفصل كتبته الدكتورة ابتسام بركات، تتناول فيه مكانة المرأة في المجتمع الدرزيّ. يبحث المقال في الإستراتيجيّات التي تنتهجها النساء الدرزيّات لمواجهة دوائر القمع المتقاطعة (دائرة رجال الدين؛ المجتمع القرويّ؛ العائلة والدولة) في مسألة القدرة على توسيع مساحة تنقُّلها في الحيّز الجغرافيّ القرويّ (الحيّز الخاصّ) وفي الحيّز الجغرافيّ خارج حدود القرية (الحيّز العامّ).

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.